10‏/1‏/2012

لتحي الماركسية اللينينية الماوية


لتحــــي الماركسيّة اللّينينيّة المـــــاويّة


الحركة الأمميّة الثّوريّة، 26 ديسمبر 1993

مقدمة
   تأسست الحركة الأممية الثورية ( الح . الأ . الث ) سنة
1984 جامعة داخلها من كل العالم نواة الثوريين الماويين المصممين على المضي قدما فى النضال من أجل عالم خال من الاستغلال والاضطهـاد والامبريالية ،عالم فيه يتم تجاوز حتى تقسيم المجتمع الى طبقات ـ العالم الشيوعـي المستقبلي . ومنـــذ تكوين حركتنـــــا، واصلنا التقـــّدم والآن وبمناسبة مائوية ماو تسي تونــغ وبشعور عميـــق بمسؤولياتنا، نعلـن للبروليتاريا العالمية وللجماهير المضطهدة في العالم بان الإيديولوجيا التي نسترشد بها هـي الماركسية اللينينية الماوية. لقد تأسست حركتنا على قاعدة بيان الحركة الأممية الثورية الــذي وقع تبنيه أثناء الندوة الثانية للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية، سنة 1984. والبيان يدافــع عن الإيديولوجية البروليتارية الثورية وهو على هذا الأساس، يعالج جوهريا على نحو سليم المهــام الملقاة على عاتق الشيوعيين الثوريين في مختلف البلدان وعلى النطـــــاق العالمي و يعالج كذلك على نحو سليم تاريخ الحركة الشيوعية العالميــة وعديد المسائل الحيوية الأخرى. ونحـن نؤكد الآن ومن جديد أن البيان هو الأساس الصلب لحركتنا واليه نضيف اليوم وضوحــا جديدا وفهما أعمق لإيديولوجيتنا و وحدة أصلب لحركتنا.

   يشدّد البيـــان بصورة صحيحة على "إضافات ماو تسى تونغ النوعية في مجال علـم الماركسية اللينينية" ويؤكد أيضا على أنه طوره الى "مرحلة جديدة". ومع ذلك ، فإن استعمال مصطلح "الماركسية  اللينينية فكر ماو تسي تونغ" في بياننا يعكس فهمـا غير مكتمـــل بعد لهذه المرحلة الجديدة. فقد انخرطت حركتنا خلال السنوات التسع الماضية فـي نقـاش وصراع طويلين ثريين ومعمقين لكي تستوعب على أكمل وجه تطوير ماو تسي تونغ للماركسيـة. وفي الفترة نفسها، انخرطت أحزاب ومنظمات من الحركة الأممية الثورية والحركة في مجموعها في النضـال الثوري ضد الامبريالية والرجعية. و أهم هذه النضالات كان التجربة المتقدمة لحـرب الشعب التي يقودها الحزب الشيوعي البيرو فى والتي نجــحت في تعبئة الملاييـــن من الجماهير وفي كنس النظام من مناطق عدة بالبلاد و تركيز سلطة العمال والفلاحيـن فــي هــــــذه المناطق. وقد مكنتنا هذه التطورات في النظرية والممارسة من تعميق فهمنا للإيديولوجيات البروليتــارية وعلى هذا الأساس، من القيام بخطوة بالغة الأثر والإقرار بأن الماركسية اللينينيــــــة الماويــة مرحلة جديدة، ثالثة وأرقى فى الماركسية .

المرحلة الجديدة، الثالثة و الأرقى في الماركسية  
   طّوّر ماو عدة أطروحات في علاقة بجملة من المسائل الحيويـــة للثـورة إلا أن الماويـة ليست مجموع الإسهامات الكبيرة لماوتسي تونغ وإنما هي تطوير شامل و من كل الجوانب للماركسية اللينينيــــة ارتفع بها الى مرحلة جديدة أرقى. فالماركسية -اللينينيــة-الماويــة كل متناسق، انها إيديولوجيا البروليتاريا ملخصة وقد طورها ماركس و لينين و ماو تسي تونغ من الماركسيــة إلى الماركسية اللينينية ثم من الماركسية اللينينية إلى الماركسية اللينينية الماوية انطلاقا من تجربــة البروليتـــــاريا والبشريــة فــي صراع الطبقات وفي النضال من أجل الإنتاج والتجربة العلمية. انها السـلاح الذي لا يهزم الذي يمّكن البروليتاريا من تفسير العالم وتغييره عن طريق الثورة. فالماركسية اللينينية الماوية إيديولوجيا حية وعلميــة بالإمكان أن تطبــق على النطاق العالمي وهي تتطــور باطراد وتثري أكثر فأكثر من خلال تطبيقها في السيرورة الثورية ومن خلال التقدّم في المعرفـــة الإنسانية بصفة عامة. و الماركسية اللينينية الماوية عـــدو لكافة أشكال التحريفيـــة والدغمائية وهي قوة لا تقهر لأنها صحيحة.

كارل ماركس
   هو أوّل من طّوّر الشيوعية الثورية منــذ حوالي مائة وخمسين ( 150 ) سنة. وبمساعدة رفيقه في السلاح فريدريك إنجلس أسّس نظاما فلسفيـا كاملا : الماديــــــة الجدلية. و اكتشف القوانين الأساسية التي تحكم التاريخ البشري. كما طوّر كارل ماركس علم الاقتصاد السياسي الذي أظهر طبيعــــة استغلال البروليتــاريا والفوضى والتناقضــــات الكامنة فى نمط الإنتاج الرأسمالي . وتطورت نظريته الثورية في ارتباط وثيق بالنضال الطبقي للبروليتاريا على المستوى العالمـــي وفى خدمة هذا النضال . فقـد أسس الأمميـة الأولى وكتب بمعية إنجلس بيان الحزب الشيوعي الذي دوّى بندائه ( يا عمال العالم اتحدوا ! ). وأعار ماركس اهتماما كبيرا لكومونة باريس سنة1871 ، كأول محاولة بروليتارية كبرى لافتكاك السلطـة واستخلص منهــــا دروسا. و سلّح كارل ماركس البروليتاريا العالميــة بفهم مهمّتها التاريخية ألا وهي افتكاك السلطة السياسية عن طريق الثورة واستعمال هذه السلطة - ديكتاتوريـة البروليتـــاريا - من أجـــل تغيـيـر الظروف الاجتماعية إلى حدّ اندثار أسس التقسيم الطبقـي للمجتمع.
    وقاد ماركس النضال ضد الانتهازيين في الحركة البروليتـــارية الذيـن سعـوا إلى حصر نضال العمال في إطار السعي فقط إلى تحسين أوضــــاع الاستعباد المأجــور دون وضع الاستعباد ذاته موضع الاتهام. وصار كل من موقف ماركس الإيديولوجي ونظريتــــه وطريقته يسمّون الماركسية التى تمثل المرحلة الكبرى الأولى فى تطـور علم البروليتاريا.

فلاديمير إيليتش لينين
   طوّر ف .إ . لينين الماركسية إلى مرحلـــة جديدة تماما أثناء قيــادته الحركـة البروليتارية الثورية في روسيا والنضــال الذي خاضه في صلب الحركة الشيوعيــــة العالمية ضد التحريفية. ضمن إسهاماته العديدة الأخرى، حلّل تطور الرأسماليــة إلى أعـلى مراحلهــا و آخرها، الإمبرياليـــة. و بّين أن العالـــم مقسّم بيـن حفنــة مـن القوى الإمبريالية من جهة وبين أغلبية ساحقة من الأمم والشعوب المضطهدة وبيّن أن القــوى الإمبريالية تضطر إلى الدخول في حروب دورية مـن أجـل إعادة تقسيم العالــــم فيما بينها. وحّدد لينين العصر الذي نعيشه كعصر الإمبريالية والثورة البروليتـــاريــة. وطّور مفهوم الحزب السياسي من الطراز الجديد، الحـزب الشيوعي، باعتباره الأداة الضرورية للبروليتاريا لقيادة الجماهير الثورية نحو افتكاك السلطة.
   والأهم هو أن لينين رفع نظرية و ممارسة الثورة البروليتـــارية إلى مرحلة جديدة تماما خلال قيادته البروليتاريا فى افتكاك السلطة السياسية و تعزيزها لأول مرة في التاريـخ بانتصار ثــورة أكتوبر فى روسيا القيصرية سابقا عام 1917.
    وخاض لينين صراع حياة أو موت ضد التحريفييــن فــي عهـــده، فى صفوف الأممية الثانية، الذين خانوا الثورة البروليتـارية ودعــوا العمــال إلى الدفاع عن مصالح أسيادهم الامبرياليين، أثناء الحرب العالمية الأولى. " صدى مدافــع ثــورة أكتوبر "  ونضــال لينين ضد التحريفيــة انتشرا بشكل واسع داخل الحركـة الشيوعيــــة عبر العالــم ووحدا نضالات الشعوب المضطهــدة والثـورة البروليتـــــــاريـة العالمية فتشكلت الأممية الثالثة أو (الأممية الشيوعية).
   إن تطوير لينين الشامل للماركسية فى جميع جوانبها يمثل القفزة الكبـرى الثانية في بلورة الإيديولوجيا البروليتارية.
   و بعد وفاة لينين، دافع جوزيف ستاليـــن عن ديكتــاتوريـــة البروليتـــارية ضـد أعدائهــــــا الداخليين وضــد الغزاة الإمبرياليين خلال الحرب العالمية الثانية ومضى قدما فى قضية البناء والتحـويل الاشتراكيين في الإتحـــاد السوفياتي كما ناضل فى سبيل أن تقر الحـركة الشيوعيـــــة العالميــــة بأن الماركسية اللينينية مرحلة ثانية كبرى فى تطور الإيديولوجيا البروليتارية .

ماو تسي تونـــغ
   طوّر ماو تسي تونغ الماركسية اللينينية إلى مرحلة جديدة وأرقى أثناء عشرات السنين التي قاد فيها الثورة الصينية والنضال العالمي ضد التحريفيـــة المعاصرة و الأهم إيجاده نظريا و عمليا طريقة مواصلة الثورة فى ظل ديكتـــاتورية البروليتــاريا بهدف الحيلولة دون إعادة تركيز الرأسمالية و مواصلة التقدم نحو الشيوعيـــة.
   وقـد طوّر ماو على نحو عظيم المكونات الثلاثة للماركسية : الفلسفة والاقتصــاد السياسي والاشتراكية العلميــة.
   قال ماو: " من فوهة البندقية تنبع السلطة السياسية " و طوّر بصورة شاملة العلم العسكري للبروليتاريا من خلال تنظيره و ممارسته لحرب الشعب. و علمنــا أن الشعب وليس الأسلحــة هو العامل المحــدد في الحرب. و أبرز أن لكل طبقة أشكالها الخاصة فى الحرب تتماشى مع طابعها وأهدافها و وسائلها الخاصة بها. و أشار إلى أن كل المنطق العسكري يمكن تلخيصه فى مبدأ "تقاتلون على طريقتكــم ونقاتل على طريقتنــــــا" وإلى أنه على البروليتـــــــاريا أن تصوغ إستراتيجيا وتكتيــكات عسكرية تسمح لها باستعمال مزاياها الخاصة وذلك بإطلاق مبادرة الجماهير الثورية والتعويل عليها.
   وأكّد ماو تسي تونغ أن سياسة كسب مناطق ارتكاز والتركيـز المرتب للسلطـــة السياسية هي مفتــــاح تحرير الجماهير وتطوير قدرات الشعب العسكريــة والتوسع على شكل أمواج في سلطته السياسية . وشدّد على الحاجة لقيادة الجماهير فى تحقيقها للتغييرات الثورية فى مناطــــــق الارتكاز والحاجة إلى تطويرها هذه المناطــق سياسيا واقتصـاديا وثقافيا خدمة للتقدم فى الحرب الثورية.
   وعلّمنا ماو أن الحزب هو الذي يجب أن يوجه البنادق ولن يسمح أبدا للبنادق بأن توجه الحزب. و ينبغي أن يتشكّل الحزب كأداة قادرة على إطـــــــلاق الحرب الثــــورية و قيادتها مؤكدا أن المهمة المحورية للثورة هي افتكاك السلطـة بواسطـة العنف الثوري . إن نظرية ماو تسي تونغ حول حرب الشعب قابلة للتطبيق عالميـا في جميع البلدان رغم أنه يجب أن تـراعى في ذلك الظروف الملموسة لكل بلد آخــــذين بعين الاعتبار خاصة نوعين رئيسيين من البلدان فى عالم اليوم : البلدان الإمبريالية والبلـدان المضطهَدة.

   و تمكّن ماو تسي تونغ من حلّ مسألة كيفية إنجاز الثورة في بلد تهيمن عليه الإمبريالية. فالطريق الأساسي الذي رسمه للثـورة الصينيــــــة يمثــــل مساهمة لا تقدر بثمن فى نظرية وممارسة الثورة وهي مرشد لتحرير الشعوب التى تضطهدها الإمبريالية. و هذا الطريق يعنى حرب الشعب و محاصرة الأرياف للمدن ويقوم على الكفــــــاح المسلح كشكل أساسي للنضــال وعلى الجيش الذي يقوده الحزب كشكل أساسي لتنظيم الجماهير واستنهاض الفلاحين وخاصة الفقراء منهم و على الإصلاح الزراعي و بناء جبهة موحدة بقيادة الحزب الشيوعي وذلك قصد القيــام بثـورة الديمقراطية الجديدة ضد الامبريالية والإقطاع والبرجوازية البيروقراطيــــــة وتركيز ديكتاتورية الطبقات الثورية تحت قيادة البروليتاريا كتمهيـــد ضروري للثورة الاشتراكية التي يجب أن تتلو مباشرة انتصار المرحلة الأولى من الثـورة. وقدّم ماو الأطروحة المتمثلة في "الأسلحة السحرية الثلاثة : الحزب والجيش والجبهة المتحدة" كأدوات لا بد منها لإنجاز الثــــورة فى كل بلـــــد طبقا للظروف و طريق الثورة الخاصين.

   وطوّر بشكل كبير الفلسفة البروليتارية ، الماديـة الجدلية. و شدّد بالخصوص على أن قانون التناقض، وحدة الأضداد، هــــو القانون الأساسي الذي يحكم الطبيعة والمجتمع. و أكّد أن وحدة وتماهي أية ظاهرة مؤقتة ونسبية بينما صراع الأضداد لا يتوقف وهو مطلق مما يسفر عن قطيعة جذرية و تحول ثوري. وطبّق ماو باقتدار فهمه لهـــذا القانون في تحليلــه للعلاقة بين النظرية والممارسة مشدّدا على أن الممارسة مصدر الحقيقـة ومقياسها فى آن معا و مؤكدا على القفزة من النظرية إلى الممارسة العملية. وهكذا طوّر أكثر النظريـة البروليتــــــــــارية في المعرفة. وقاد ماو عمليّة تمكين الملايين من الجماهير من الفلسفة ومثال عن ذلك تبسيط مقولة" ازدواج الواحد" وذلك فــي تعارض مع الأطروحة التحريفية القائلة بـ "دمج الإثنين في واحد".
   كما طوّر قدما فهم "إنّ الشعب، والشعب وحده، هو القوة المحركة فــــي خلق تاريخ العالم" وطوّر أيضا فهم الخط الجماهيري "جمع آراء الجماهير (الآراء المتفرقة غير المنسقة) وتلخيصها ( أي دراستها وتلخيصها فى آراء مركزة منسقة)، ثم العودة بالآراء الملخصة إلى الجماهير والقيام بالدعوة لها وتوضيحها، حتى تستوعبها و تصبح آراء خاصة بها، فتتمسك بها و تطبقها عمليا، و تختبر هذه الآراء أثناء تطبيق الجماهير لتعرف أهي صحيحة أم لا". و شدّد ماو على الحقيقة العميقة القائلة بأن المادة يمكن أن تتحول إلى وعي و أن الوعي يمكن أن يتحول إلى مادة مطوّرا أكثر فهم الدور الديناميكي لوعي البشر فى كافة مجالات نشاطهم.

   و قاد ماو تسي تونغ النضال العالمي ضد التحريفية المعاصرة التي كان يتصدرها التحريفيــون الخروتشوفيــون ودافــع عن الخـــط الإيديولوجـي والسياسي الشيوعي ضد التحريفيين المعاصرين و دعا كل الثــــــوريين البروليتاريين الحقيقيين إلـى القطع معهم و تأسيس أحزاب تعتمد مبادئ الماركسية اللينينية الماوية.  وقام ماو تسي تونغ بتحليل نافذ للدروس المستقات من إعادة تركيز الرأسمالية في الإتحاد السوفياتي كما حلّل نواقص و إنجازات البناء الاشتراكي في تلك البلاد. وبينما دافع عن المساهمات العظيمة لستالين نقد أخطاء هذا الأخير.
   و لخّص تجربة الثورة الاشتراكية في الصين وتجربة صراعات الخطّين المتكررة ضد مراكز قيادة التحريفية داخل الحزب الشيوعي الصيني . وطبّق باقتدار الماديـة الجدليـــــة فى تحليل التناقضات داخل المجتمع الاشتراكي.
    وعلّمنا أن على الحزب أن يلعب الدور الطليعي، قبل افتكاك السلطة وأثناء ذلك وبعده، فى قيادة البروليتاريا في كفاحهـا التاريخـي فى سبيل الشيوعية. وطوّر فهمنا لكيفية المحافظة على الطابع البروليتاري الثـوري للحزب عن طريـــق النضال الإيديولوجي النشيط ضد التأثيرات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة فى صفـوفه وإعادة التربية الإيديولوجيـــــة لأعضائه والنقد والنقد الذاتي وكذلك عـن طريـق خوض صراع الخطين ضد الخطوط الانتهازية والتحريفية داخل الحـزب. و علّمنا ماو أنه بمجرد أن تفتكّ البروليتاريا السلطة و يصبح الحزب القوة القائدة للدولة الاشتراكية ، فإن التناقض بين الحزب والجماهير يصبح تعبيرا مكثّفا عن التناقضات التي تجعل من المجتمع الاشتراكي مرحلة انتقالية من الرأسمالية الى الشيوعية. وطوّر ماو تسي تونغ فهــــم البروليتاريا للاقتصاد السياسي و للدور المتناقض والديناميكــي للإنتاج ذاته وترابطه مع البنية الفوقية السياسية والإيديولوجية للمجتمع. وعلّمنا ماو أن نظام الملكية محدد فى علاقات الإنتاج ، إلآ أنه في ظلّ الاشتراكية، ينبغي الانتباه إلى أن تكون الملكية الجماعية اشتراكية شكلا ومضمونا. و أكّــــد أيضا على ترابط نظام الملكية الاشتراكية والمظهرين الآخرين لعلاقات الإنتـــــاج والعلاقات بين الناس في العمل ونظام التوزيع. وطوّر المقولة اللينينيــة المؤكدة على أن السياسة ليست إلاّ تعبيرا مكثفا للاقتصاد، مبرزا أن فى المجتمع الاشتراكي صحة الخط الإيديولوجي و السياسي تحدد ما إذا كانت البروليتــــاريــا تملك فعلا وسائل الإنتاج أم لا. و بيّن أن صعود التحريفيـــــــة إلى السلطة يعني صعود البرجوازية وأنه بالنظر للطابع المتناقض للقاعدة الاقتصادية للاشتراكية يكون من اليسير على المسؤولين السائرين فى الطريق الرأسمالي أن يعيدوا بسرعة تركيز النظام الرأسمالي إذا ما صعدوا إلى السلطة.

   وقام ماو تسي تونغ بنقـد معمّق للنظرية التحريفية حول قوى الإنتاج واستنتج أن البنية الفوقية، الوعي، بإمكانهـــــــا تغيير البنية التحتية وبواسطة السلطة السياسية بإمكانها تطوير قوى الإنتاج . و تم التعبير عن كل هذا في شعار "القيـــام بالثورة مع تطوير الإنتاج".
   وأطلق ماو تسي تونغ وقاد الثورة الثقافيـة البروليتارية الكبـرى التي مثّلت قفزة كبرى إلى الأمام في تجربة ممارسة ديكتـــــاتورية البروليتاريا . فقد نهض مئـات الملايين من الشعب للإطاحة بالمسؤولين السائرين فى الطريق الرأسمالي الذين ظهروا صلب المجتمــــع الاشتراكي والذين تركزوا أساسا في قيادة الحزب ذاته (أمثال ليو تشـاوتشي و لين بياو ودينــغ سياو بينغ) . وقاد ماو البروليتــــــاريا والجمــــاهير في مواجهتها للمسؤولين السائرين في الطريق الرأسمالي وفى فرض مصالح الأغلبية الساحقــــة ووجهة نظرها وإرادتها في جميع الميادين التي ظلت حتى في المجتمع الاشتراكي الاحتياطي الخاص للطبقات الاستغلالية ولطريقة تفكيرها. لذلك حالت الانتصارات الكبيرة المحرزة خلال الثورة الثقافية دون إعادة تركيز الرأسمالية في الصين لمدة عشر سنوات وأدّت إلى تحولات اجتماعية كبرى في القاعــدة الاقتصادية وكذلك في التربية والأدب والفن والبحث العلمي والميادين الأخرى من البنية الفوقية . فى ظلّ قيادة ماو تسي تونغ، قلبت الجماهير التربة التي تنبت الرأسماليـة- مثل الحق البرجوازي والاختلافات الثلاث الكبرى بين المدينة والريف وبين العمال والفلاحيــن وبين العمل الذهني والعمل اليدوي.
   وفى خضم هذا النضال الإيديولوجي والسياسي المرير عمق الملايين من العمـــال والجماهير الثورية الأخرى بصورة كبيرة وعيهم الطبقي واستيعابهم للماركسية اللينينية الماوية ودعموا قدراتهم على ممارسة السلطة السياسية . و تّم خوض الثـــــورة الثقافيـــة كجزء من نضال البروليتاريا العالمي فكانت مدرسة للأممية البروليتارية.
   كما أحاط ماو تسي تونغ بالعلاقة الجدلية بين الحاجة إلى قيادة ثورية من جهة وضرورة استنهاض الجمـــاهير الثوريــــة القاعدية والاعتماد عليها فى تطبيق ديكتـــاتورية البروليتــاريا . وهكذا كان تعزيز دكتاتورية البروليتـــاريا كذلك التطبيق الأوسع والأعمق للديمقراطية البروليتارية التي تحققت بعدُ في العالم وبرز قادة أبطـــال أمثال كيانغ تسينغ وتشانــــغ تشون شياو ظلوا إلـى جانب الجمــاهير وقادوها في معركتها ضد التحريفيين واستمروا فـي رفــع راية الماركسية- اللينينية -الماوية عاليا حتى فى مواجهة الهزيمة المّرة.
    قال لينين : "ليس بماركسي غير الذي يعمّم اعترافه بالنضال الطبقي على الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا ". لقد تدعم هذا الشرط الذي طرحه لينين أكثر على ضوء الدروس والنجاحات القيمة للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى بقيادة ماو تسى تونغ . و يمكن لنا القول الآن ليس بماركسي غير الذي يعمّم اعترافه بالنضال الطبقي على الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا و أيضا على الوجود الموضوعي للطبقات والتناقضات الطبقية العدائية و مواصلة صراع الطبقات فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا طوال مرحلة الاشتراكية و حتى الوصول إلى الشيوعية . و كما قال ماو فإن :" كل خلط فى هذا المجال يؤدى لا محالة إلى التحريفية ." إن إعادة تركيز الرأسمالية إثر الانقلاب المضاد للثورة ، سنة 1976 بقيادة هواو كو فنغ ودينغ سياوبنغ لا يشكك بأي حال فى الماوية أو بالإنجازات التاريخية- العالمية وبالدروس العظيمة للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى، بل بالعكس، تؤكد هذه الهزيمة أطروحات ماو تسي تونغ حول طبيعة المجتمـع الاشتراكي وضـرورة مواصلة الثورة في ظل ديكتاتورية البروليتاريا.
   بوضوح ، مثلت الثــــورة الثقافيــــة البروليتـــــارية الكبرى ملحمة ثورية تاريـــخية – عالمية وقمة انتصار شامخــة للشيوعيين والثوريين في العالم وإنجاز لا ينضب. ورغم أن الطريـق أمامنا لا يزال طويلا، فقد مكنتنــا هذه الثورة من دروس غاية فى الأهمية نحن بصدد تطبيقهـــا ومثــال ذلك فكرة أن التغيير الإيديولوجي جوهري فى تمكين طبقتنا من افتكاك السلطة.

الماركسية اللينينية الماوية : المرحلة الثالثة الكبرى
   أثناء الثورة الصينية ، طوّر ماو تسي تونغ الماركسية اللينينية في عديد الميـادين الهامة إلآ أنه فى بوتقة الثـــورة الثقافيـــة البروليتـــارية الكبرى، تحققت نقلــة كـبـرى فى إيديولوجيتنا فأخذت المرحلة الثالثة الكبرى، الماركسية اللينينية الماوية، شكلهـا التام. و من الموقع الأرقى للماركسية اللينينية الماويــة ، يمكن للشيوعيين الثوريين أن يستوعبـــوا تعاليم القادة العظام السابقين بصورة أعمق و تكتسي حتى إسهامات ماو تسي تونغ السابقة دلالة أعمق كذلك. واليــــوم، بدون الماوية لا يمكن أن تكون هناك ماركسية لينينية . وبالفعل ، فإن إنكــــــارها هو إنكار للماركسية اللينينية ذاتهـــــا .
   في بدايتها، تلاقي كل مرحلــة عظيمة في تطـور الإيديولوجيا الثورية للبروليتاريا معارضة عنيدة ولم يقــع الاعتراف بهــا إلاّ بعد نضال ضار، ومن خلال تطبيقها في الممارسة الثورية . واليــوم ، تعلن الحركـة الأممية الثــورية أنه ينبغي أن تكون الماركسية اللينينيـــــة الماوية قائــدة الثورة العالمية ومرشدها .

   تجد مئات الملايين من البروليتـاريا والجماهير المضطهدة في العالــم نفسها مجبرة أكثر فأكثر على النضال ضد النظام الإمبريالي العالمي وكل الرجعيين . وفـي ميــدان المعركــة ضد العدو، تبحث عن الراية التي هي رايتها .لذا يجب علي الشيوعيين الثوريين أن يستعملوا بمهارة إيديولوجيتنـا العالمية وأن ينشروها فى صفوف الجمـاهير على النحو الذي يكفل استنهاضها وتنظيم طاقتها من أجل افتكاك السلطـة بواسطة العنف الثوري. و فى سبيل القيــام بذلك، يتعيّن أن تؤسس أحزابا ماركسية - لينينية – ماوية، متحـــــــدة ضمن الحركة الأممية الثــورية ، حيث لا توجــد بعــــدُ و أمـا الأحزاب الموجودة فعليها أن تعزز نفسها للإعداد لحرب الشعب وخوضهـــــا حتى تحقيق الانتصار وافتكاك السلطة خدمة للبروليتاريا والشعوب المضطهَدة. وعلينا أن نرفع عاليا راية الماركسية- اللينينية -الماوية و أن ندافع عنها و الأكثر أهمية أن نطبّقها. وينبغي أن نتقدم بكفاحنـــا من أجل إنشاء أممية شيوعية من طراز جديد، عمادها الماركسية اللينينية الماوية. إن الثورة البروليتارية العالمية لا يمكن لها أن تتقـــدم في اتجاه النصر دون شحذ مثل هذا السلاح ، لأنّه كما علمنا ماو إما أن نصل جميعـــــا إلى الشيوعيـــــة أو لن يصل أحد.
   قال ماو تسي تونغ : "تحتوي الماركسية على آلاف الحقائق إلآ أن هذه الحقائق تتلخص فى آخر المطاف في جملة واحدة : من حقنا القيام بالثورة". و الحركة الأممية الثـــــورية تتخذ من النضال الذي تخوضه الجماهير نقطة انطلاق و تدعو البروليتـــــاريا والثوريين عبر العالم قاطبة إلى أن يتبنوا الماركسية  اللينينية الماوية و ينبغي أن تفهم البروليتاريا وأن يفهم كافة المضطهدين أن هذه الإيديولوجيا التحررية والحزبية هي الوحيدة القادرة على جعل ثورة الجماهير تكنس آلاف السنين من الاستغلال الطبقي وتبعث إلى الحياة عالم جديد هو العالم الشيوعي.
لنرفع عاليا الراية الحمراء العظيمة للماركسية اللينينية الماوية
                                                                الحركة الأمميّة الثّوريّة، 26 ديسمبر 1993                                           

------الــــــمُلحق -------
حول الوضع العالمي
   في سنة 1984 أكّد بيان الحركة الأممية الثورية :"إن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية آخذ بالانحلال سريعا. فالعلاقات الاقتصادية و السياسية على المستوى الدولي -"تقسيم العالم "-، التى أقيمت خلال الحرب العالمية الثانية و ما بعدها ، لم تعد تسمح لمختلف القوى الإمبريالية بأن تضمن "بشكل سلمي" الامتداد والتوسع الضروريين لإمبراطورياتها المقامة على أساس الربح. و إذا سبق لعالم ما بعد الحرب أن عرف تحوّلات هامة نتيجة النضالات الثورية فى تلك الفترة، فإننا نشهد اليوم مراجعة عامة لكل شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية و العسكرية فى مجملها . فقد أخذ الاستقرار النسبي للقوى الإمبريالية الكبرى والازدهار النسبي لحفنة من الدول (نتيجة استغلالها لأغلبية شعوب و أمم العالم و ما تتسبب فيه من دماء وبؤس ) يتفكك، كما نشهد تصاعدا للنضالات الثورية للأمم و الشعوب المضطهَدة و التى تمس من جديد النظام الإمبريالي العالمي...
و اليوم فإن احتداد التناقضات يدفع كل البلدان و كل مناطق العالم و حتى بعض قطاعات من الجماهير التى بقيت لحد الآن خامدة و بعيدة عن الحياة السياسية إلى دوامة صراعات التاريخ العالمي، ولسوف تبرز هذه الظاهرة بأكثر وضوح فى المستقبل . و لهذا يجب على الشيوعيين الثوريين أن يستعدوا و يهيّؤوا العمال ذوى الوعي الطبقي و كذلك القطاعات الثورية الأخرى من الشعب و أن يصعدوا من النضالات الثورية".
   إن تحليل البيان للطابع الظرفي في النظام العالمي السائد ومناداته بالاستعدادات الملحة بالنظر إلى التغيرات الفجائية والمتسارعة الحاصلة في التطورات قد أكدته الوقائع في العالم رغم أن السير الدقيـق للأحـداث ( تفكّك المعسكر الإمبريالي الاشتراكي السوفياتــي وتفاقـم التناقض الحاد بين الكتل الإمبريالية بزعامة الولايات المتحدة والسوفيات الذي أدي إلى حافة الحرب العالمية ) لم يكن بالإمكان التنبؤ به.
   وفي إطار تفاقــم أزمة النظـام الرأسمالي تبدو السمات الأساسية للوضـع العالمي الراهـن كالتالي : تصاعد نضالات الأمم المضطهَدة في العالــــــم وخاصة الانتصارات المجيدة لحرب الشعب في البيرو وإندلاع الانتفاضات في وكر الوحوش الإمبرياليين أنفسهم وبروز الولايات الأمريكية كشرطي وحيد للنظام الإمبريالي وتدخل الإمبرياليين الموجّه ضد الأمم المضطهَـــدة واعتدائهم عليهــا وتكثيـف الاستغلال والهجمــات ليس فقط ضد جماهير الأمم المضطهَــدة وإنما كذلك ضد جماهير البلدان الرأسمالية ذاتها وإعادة ترتيب القوى الذي يجري في صفوف القوى الإمبريالية .
حلم الإمبرياليين الزائف بــ"نظام عالمي جد يـــد"
   عقب انحلال المعسكر الإمبريالي السوفياتي الذي لم يكن سوى إحدى التجليات المميزة للأزمة الحادة التى تخنق النظام الإمبريالي بأسره و الذي ليس الإتحاد السوفياتي سوى ركن من أركانه الرئيسية ، صرّح الإمبرياليون الأمريكان بكل تبجح و صلف بأنهم سيفرضون "نظاما عالميا جديدا" لأتباعهم فى بلادهم هم وللآذان التى لا تكاد تسمع شيئا إلآ أيقنت به، وقع تلميع ظاهري لهذا النظام الجديد بكلمات من قبيل "احترام القانون الدولي" و "عهد جديد من السلام " و"الديمقراطية " و "مقاومة الاستبداد و الدكتاتورية" و حتى "حقوق الإنسان". و تظاهرت القوى الإمبريالية التى كانت بالأمس تتقاتل فيما بينها بالتآخي. وقدمت الأمم المتحدة و المنظمات الإمبريالية المشابهة لها على أنها حامية هذا "العهد الجديد من السلام العالمي". و بكل سذاجة، أمل الإمبرياليون فى أن يحجبوا الطبيعة الحقيقية للمعسكر الإمبريالي الاشتراكي السوفياتي و فى أن يستغلوا ذلك من أجل حرمان الجماهير المضطهَدة من السلاح الذي تمثله الإيديولوجيا الشيوعية الثورية. وأطلق إيديولوجيوهم و الرجعيون و التحريفيون من كل شاكلة هجوما مضادا للثورة معلنين أن الفكرة الشيوعية عن عالم متحرر من الاستغلال انتهت و أعلنوا حتى "نهاية التاريخ" وبذلت الإمبريالية و الرجعية و التحريفية ما أوتوا من جهد من أجل رفع راية "الديمقراطية " المهترئة و التى عفا عليها الزمن، كرمز للسيطرة اللا إنسانية و الدموية لرأس المال، و من أجل تقديمها كخيار وحيد .
    لقد كانت حقا مؤامرة تجلت عواقبها بداهة فى منتهى الخسة و الدموية. إنّ أول عمل دشّن به هذا النظام "الجديد " حضوره تمثل فى الاغتصاب العنيف للعراق من قبل الولايات المتحدة بمعاضدة قوى إمبريالية أخرى و بمساعدة جيوش مرتزقة من طراز جديد مؤلفة من جنود تابعين للبلدان التى عليها يهيمنون. أما الهدف الذي ينشده هذا العمل فهو وضع حدود الإمبراطوريات وإخضاع المضطهَدين عبر إستعمال الرعب بيد أن ذلك لم يفعل سوى نزع قناع  " السلام " الذي يتقنعون به و تأكيد أن الأنظمة الكمبرادورية فى الأمم المضطهَدة غير قادرة بالمرة على توجيه ضربات صارمة و دون مساومة لأسيادها الإمبرياليين. لقد أظهر لنا الإمبرياليون على مسرح الأحداث ضرورة نزع سلاحهم و لكن السلام لا يمكنه أن يأتي من صالونات حفلات مصاصي الدماء . حتى بعد كل اتفاقياتهم و معاهداتهم ،لا زالوا يملكون ترسانات أسلحة قاتلة قادرة على تدمير العالم لمرات لا تحصى. تحدث الإمبرياليون عن "عهد جديد من النموّ والتعاون" غير أن النتيجة الوحيدة كانت تكثيف استغلال جماهير الأمم المضطهَدة و جماهير البلدان الرأسمالية ذاتها – تفقير المنتجين الحقيقيين.
   وفي بلدان الكتلة الشرقية السابقة، بما فى ذلك روسيا ، تقلص الهيمنة المفتوحة لرأس المال تدريجيا إلى الصفر أوهام النمو فى مأمن من الأزمات . و تحولت أحلام الإمبرياليين الغربيين فى تجاوز أزمتهم إلى كوابيس فهم يغرقون أكثر فأكثر ويتسببون فى اضطرابات ترتد سهامها إلى نحورهم و اليوم يجدون أنفسهم مضطرين لمواجهة غضب المضطهَدين فى بلدانهم هم .لقد كان مجرى الأحداث سريعا مما يؤكد مرة أخرى الطابع المتفجر للوضع العالمي.
   إنّ دويّ طبول الهجوم المضاد الرجعي الذي كان منذ سنتين فقط يحدث الكثير من الهرج ما عاد يطال إلا الآذان الصماء. و من يوم لآخر تنهض أكثر فأكثر عديد شرائح الجماهير فى العديد من أنحاء العالم لتقاوم وتنتفض و تثور، فقد أصبحت تعي بصورة أعمق مدى إفلاس الحراس التحريفيين و تستقبل بحرارة الصعود اللامع للسلطة الحمراء فى أعالي جبال البيرو و تبحث عن وسائل أنجع لتسديد ضربات موجعة لمضطهديها هي.
" الاضطراب الكبير" أمر جيد
   لقد علّمنا القائد البروليتاري العظيم ، ماوتسى تونغ ،أن الإمبريالية ترفع دائما حجرا كبيرا بغاية رمي المضطهَدين به و تنتهي إلى جعله يسقط على قدميها . و ينطبق هذا على الوضع العالمي الجديد. فالدعاية الصاخبة التى يقوم بها الإمبرياليون بصدد نظامهم العالمي "الجديد" ومجرى الأحداث الحقيقي لم يشآ إلآ أن يبرهنا بلا أدنى ظل من الشك أنه لا يمكن توقع أي شيئ طيب من نظام يلتهم البشر. و أقنعة مؤسساتهم وعملائهم الرجعيين وصنائعهم التحريفية تسقط القناع تلو القناع.
   وكسبت حرب الشعب فى البيرو مناطق محررة حيث أقامت طبقتنا من جديد سلطة الشعب. وفي الأمم المضطهَدة ، "منطقة زوابع" الثورة العالمية ، تشهد نضالات الجماهير و مقاومتها للإمبريالية و عملائها الرجعيين نهوضا عارما. وقد تجاوزت قادة الأمس المتعفنين ، تأخذ أجيال جديدة بأيديها زمام المهام التى ستجعل نضالاتها تتقدم .فثمة غليان وتمرّد بدرجات مختلفة ،ضمن كل شريحة من شرائح الجماهير العميقة التى تجد نفسها مغلولة الأيدي منذ قرون من قبل الرجعية بجميع أشكالها المتوحشة .إن الطاغية القذر الأمريكي تلقى أخيرا تحذيرا جديا على أرضه هو بالذات من طرف ضحايا اضطهاده الطبقي والعنصري. ويتمادى تقلص هواء النمور من الورق كالكرة الهوائية بفعل الضربات الحادة التى تكيلها له الجماهير المضطهَدة فى كافة البلدان حيث يتجرأ على اقتراف عدوان. موجة كبيرة من "الاضطراب الكبير" تتصاعد وهذا أمر جيد.
   فى إطار احتداد أزمة النظام الإمبريالي العالمي ، تشهد كافة التناقضات الأساسية – التناقض بين الأمم المضطهَدة والقوى الإمبريالية، والتناقض بين البروليتاريا و البرجوازية فى البلدان الإمبريالية، والتناقض فى صفوف القوى الإمبريالية ذاتها – تشهد تطورا جديدا. من هذه التناقضات، يحتد التناقض بين الأمم المضطهَدة و القوى الإمبريالية. و بمدى ملحوظ و إن ثانويا ، يحتد التناقض بين البروليتاريا و البرجوازية داخل البلدان الإمبريالية حيث أدّى انهيار معسكر الإمبريالية السوفياتية إلى ارتخاء التناقض فى صفوف الإمبرياليات نسبة لمستوى احتداده السابق .غير أن الصدام الإمبريالي يقوم الآن على التنافس وهو ما يتمظهر فى إعادة تشكل التحالفات و العداوات التى تبرز بين القوى الإمبريالية جراء احتداد أزمتها وتصاعد نضالات الشعوب.
   حتى نستعيد كلمات بيان 1984 ،فى هذه الفترة تبزغ آفاق لم نشهد لها مثيل :" علينا أن ندعم حذرنا الثوري و نضاعف جهودنا حتى نكون قادرين سياسيا و إيديولوجيا و تنظيميا و عسكريا على الاستفادة من تلك الفرص بشكل يدعم إلى أقصى حد من مصالح طبقتنا، وحتى ننتزع أكثر ما يمكن من المواقع الأمامية لصالح الثورة البروليتارية العالمية."
   إنّ وجود الحركة الأممية الثورية و الأحزاب الماوية المشكلة لها يوفر قاعدة صلبة لإنجاز هذه المهمة وينبغي إنجازها . و بوجه خاص ، على الشيوعيين أن يضعوا سلاح الماركسية اللينينية الماوية بين أيدي مختلف الجماهير المضطهَدة و أن يثابروا على الصراع بلا هوادة ضد كافة أشكال التحريفية القديمة منها و الجديدة و أن ينشئوا أحزابا ماوية أين لا توجد و أن يعززوا تلك الموجودة على نحو يسمح بالإعداد لحرب الشعب و يسمح بتفجيرها و قيادتها إلى الظفر لتحطيم الإمبريالية و الرجعية إلى الأبد و التقدم نحو المستقبل العظيم، المستقبل الشيوعي .

بيـــان الحركـــة الأمميّـــة الثّوريّـــــة


بيــــــــان الحركة الأمميّــــــة الثّوريّــــــــة
( مـــارس 1984 )

توطئة:                                                                                                       
   وقعت المصادقة على بيان الحركة الأممية الثورية فى مارس 1984 من طرف المندوبين والملاحظين الذين حضروا الندوة الأممية الثانية للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية والتي كونت الحركة الأممية الثورية...
    و قد صدر هذا البيان باللغات التالية العربية والبنغالية والصينية، والكورية والدنماركية والإنجليزية والفارسية والفرنسية والألمانية والجاركتية والهندية والإيطالية والكندية والكردية والوالوية والنيبالية والبنجابية  الإسبانية والتاميلية والتركية .
   منذ فترة من الزمن ، صار من الضروري إصدار جديد لبيان الحركة الأممية الثورية الذي تبنته فى الأصل الندوة التأسيسية للحركة الأممية الثورية كأرضية تطوّرت على أساسها الحركة وتقدمت. و أهم تقدم فى حياة الحركة تمثل فى التبني الرسمي لوثيقة "لتحيا الماركسية اللينينية الماوية! " فى 1993 فى تناغم مع مبادئ سير الحركة. إلى ذلك القرار الذي أعلن بمناسبة مائوية ماو (26 ديسمبر 1993) تعدّ "لتحيا الماركسية اللينينية الماوية! "، إلى جانب البيان الأرضية السياسية للحركة الأممية الثورية. و انطلاقا من هذه المرحلة المهمة من الوحدة و الفهم فى صفوف الحركة الأممية الثورية ، تم فى هذا الإصدار الحالي من البيان تعويض مصطلح "الماركسية اللينينية فكر ماو تسى تونغ " بـ"الماركسية اللينينية الماوية" ومصطلح "الماركسية  اللينينية" بمصطلح "الماركسية اللينينية الماوية" ( ما عدا حين ينطبق هذا المصطلح على إطار تاريخي).
   و فضلا عن تبنى الماركسية –اللينينية –الماوية ، فإن تطورات أخرى جعلت من هذا الإصدار الجديد للبيان ضروريا. فتحليل الوضع العالمي لا يعكس الفترة التى جرى فيها تبني البيان          (1984) فمذاك جدت تغيرات هامة فى الوضع العالمي، لا سيما انهيار الإمبريالية الاشتراكية السوفياتية وكتلة أوروبا الشرقية التابعة لها. آخذة بعين الاعتبار هذه التغيرات، تبنت الحركة الأممية الثورية قرارا عنونته "حول الوضع العالمي" فى ذات الوقت الذي تبنت فيه "لتحيا الماركسية- اللينينية –الماوية! " و هذا القرار الذي يعتمد كمرشد للتحليل المشترك للحركة الأممية الثورية بشأن الوضع العالمي، مضمّن كملحق لهذا الإصدار للبيان.

   "يجد العالم نفسه اليوم على أعتاب أحداث ذات أهمية بالغة، و تجلب أزمة النظام الإمبريالي بسرعة فائقة خطر اندلاع حرب عالمية جديدة، ثالثة، مثلما تفتح آفاقا حقيقية للثورة فى بلدان مختلفة من العالم" .
   لا يشهد تطّور الوضع فى المدة الأخيرة على الدقة العلمية لهذه الكلمات المستقاة من الدعوة الصادرة عن مؤتمرنا الأممي الأول، خريف 1980فحسب، بل و يكشف كذلك درجة الخطورة والحدة التى بلغها الوضع .
   وتواجه الحركة الماركسية –اللينينية إذا مسؤولية ذات خطورة استثنائية تتمثل فى توطيد وحدتها وإعداد صفوفها للاختبارات الهائلة والفرص المتاحة والمعارك الحاسمة والتي تتجلى فى الأفق. فالمهمة التاريخية للبروليتاريا تدعو بإلحاح متصاعد لكي نستعد على جميع الجبهات لمواجهة ما سيحدث من قفزات و تقلبات مفاجئة فى الوضع الموضوعي و خاصة فى الظرف الحالي حيث يؤثر الوضع العالمي بشكل أعمق على الوضع فى بلاد معينة و حيث تتهيأ آفاق للثورة لم يسبق لها مثيل. و علينا أن ندعم حذرنا الثوري و نضاعف جهودنا حتى نكون قادرين سياسيا و إيديولوجيا وتنظيميا و عسكريا على الاستفادة من تلك الفرص بشكل يدعم إلى أقصى حد من مصالح طبقتنا، وحتى ننتزع أكثر ما يمكن من المواقع الأمامية لصالح الثورة البروليتارية العالمية. إننا واعون كل الوعي بالمهام الملقاة على عاتقنا فى الوضع الراهن و نحن فخورون بقدرتنا على تحملها و بالعمل حسب ما تتطلبه تلك المسؤولية التاريخية، مسلحين بالتعاليم العلمية لماركس و إنجلز و لينين وستالين وماو تسي تونغ.
و لا تزال الحركة الماركسية اللينينية تواجه أزمة خطيرة و عميقة تجلت ملامحها وانفجرت على إثر الانقلاب الرجعي الذي جدّ فى الصين عقب وفاة ماو تسى تونغ و الخيانة الغادرة التى اقترفها أنور خوجة. لكن و على الرغم من هذه التقلبات، فإننا نجد فى كل القارات ماركسيين لينينيين ماويين حقيقيين، يرفضون التخلي عن النضال من أجل الشيوعية.
و تتطوّر الحركة الشيوعية العالمية بفضل سيرورة تدعيم الوحدة القائمة بعدُ و التقدم أكثر بانسجام مع المبادئ الماركسية اللينينية الماوية. فمنذ1980 طوّرنا قوانا و زادت قدرتنا على التأثير فى بعض الأحداث و توجيه تطورنا. و يشكل مؤتمرنا الأممي الثاني للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية الذي تم انعقاده رغم الظروف العسيرة و غير الملائمة، قفزة نوعية إلى الأمام من حيث وحدة حركتنا و درجة نضجها. و سيكون باستطاعتنا إنجاز المهام التي تدعونا منذ أمد بعيد، و سوف نقوم بذلك رافعين سدّا لا يقهر في وجه الإيديولوجيا التحريفية و كل الإيديولوجيا البرجوازية، واقفين في مقدمة الموجات الثورية الآتي زخمها موجهينها الوجهة العلمية ومطبقين عن وعي مبادئ الماركسية اللينينية الماوية حتى ترشد ممارستنا و حتى نتمكن من تقييم تجاربنا في خضم الصراع الطبقي الثوري
   و قد توفّق المندوبون و الملاحظون المشاركون في المؤتمر الأممي الثاني للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية الذي شكل الحركة الأممية الثورية من خلال سيرورة نقاشات عميقة وواسعة، وبنقاش نزيه و رفيع للقضايا المبدئية إلى صياغة البيان الذي يرد نصه أدناه :
الوضع العالمي                                                                                            
   تحتد اليوم جميع التناقضات الأساسية للنظام الإمبريالي العالمي بنسق سريع جدا : التناقض بين مختلف القوى الإمبريالية و التناقض بين الإمبريالية و الأمم و الشعوب المضطهَدة والتناقض بين البرجوازية و البروليتاريا في البلدان الإمبريالية. و لجميع هذه التناقضات جذع مشترك هو نمط الإنتاج الرأسمالي و التناقض الجوهري للرأسمالية. و من الأكيد جدا أن النزاع بين معسكري الإمبريالية بقيادة كل من الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد السوفياتي سوف يؤدى إلى قيام حرب عالمية ،إلا إذا حالت الثورة دون ذلك وهذا النزاع يؤثر بشكل كبير على سير الأحداث في العالم.
   إن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية آخذ بالانحلال سريعا. فالعلاقات الاقتصادية و السياسية على المستوى الدولي - " تقسيم العالم "- ،التي أقيمت خلال الحرب العالمية الثانية و ما بعدها ،لم تعد تسمح لمختلف القوى الإمبريالية بأن تضمن "بشكل سلمي " الامتداد و التوسع الضروريين لإمبراطورياتها المقامة على أساس الربح . و إذا سبق لعالم ما بعد الحرب أن عرف تحولات هامة نتيجة النضالات الثورية فى تلك الفترة، فإننا نشهد اليوم مراجعة عامة لكل شبكة العلاقات الاقتصادية و السياسية و العسكرية فى مجملها . فقد أخذ الاستقرار النسبي للقوى الإمبريالية الكبرى و الازدهار النسبي لحفنة من الدول ( نتيجة استغلالها لأغلبية شعوب العالم وأممه و ما تتسبب فيه من دماء و بؤس ) يتفكك ،كما نشهد تصاعدا للنضالات الثورية للأمم والشعوب المضطهَدة و التى تمس من جديد النظام الإمبريالي العالمي.
   فى هذه الظروف بالذات، نلمس بأكثر وضوح الحقيقة و الضرورة الملحة التى عبر عنها ماو تسى تونغ قائلا : " إما أن تؤدى الحرب لقيام الثورة أو أن تحول الثورة دون نشوب الحرب " . فمنطق النظام العالمي الإمبريالي ذاته و النضالات الثورية تمهد لقيام وضع جديد .يحتدّ التناقض بين العصابات الإمبريالية والتناقض بين الإمبرياليين و الأمم المضطهَدة و التناقض بين البرجوازية والبروليتارية فى البلدان الإمبريالية . و لسوف تعبر كل التناقضات عن نفسها فى الفترة المقبلة على الأرجح بقوة السلاح و بشكل لم يسبق له مثيل.
   و كما قال ستالين بخصوص الحرب العالمية الأولى : " من معاني الحرب الإمبريالية التى اندلعت منذ عشر سنوات أنها جمعت كل تلك التناقضات فى عقدة واحدة و رمت بها فى قلب الميدان، فعجلت بذلك المعارك الثورية للبروليتاريا و سهلتها.
   و اليوم فإن احتداد التناقضات يدفع كل البلدان و كل مناطق العالم و حتى بعض قطاعات من الجماهير التى بقيت لحد الآن خامدة و بعيدة عن الحياة السياسية إلى دوامة صراعات التاريخ العالمي ،ولسوف تبرز هذه الظاهرة بأكثر وضوح فى المستقبل . و لهذا يجب على الشيوعيين الثوريين أن يستعدوا و يهيّؤوا العمال ذوى الوعي الطبقي و كذلك القطاعات الثورية الأخرى من الشعب و أن يصعدوا من النضالات الثورية.
   إن الشيوعيين أعداء ألداء للحرب الإمبريالية و يجب عليهم تعبئة و قيادة الجماهير للنضال ضد الاستعدادات لقيام حرب عالمية ثالثة ستمثل أفضع جريمة فى تاريخ البشرية . لكن الماركسيين اللينينيين الماويين لن يخفوا أبدا الحقيقة عن الجماهير والتي مفادها أن الثورة فقط و الحروب الثورية التى يقودها أو يستعد لقيادتها الماركسيون- اللينينيون- الماويون و القوى الثورية ،هي التى يمكن أن تمنع مثل تلك الجريمة . وينبغي إذا على الماركسيين- اللينينيين-الماويين اقتناص الفرص التى تتجلى بسرعة للتعجيل بالثورة ،و ينبغي عليهم أن يدفعوا الجماهير لتصعيد النضال الثوري على كل الجبهات و شن الحرب الثورية حيثما كان ذلك ممكنا و بذل مجهود مضاعف للاستعداد لها حيث الظروف لم تنضج بعدُ بما فيه الكفاية لقيام حرب ثورية . إن من شأن هذه المبادرات أن تدفع بالنضال من أجل الشيوعية إلى الأمام . و إذا تمكنت البروليتاريا و الشعوب المضطهَدة من الخروج منتصرة فى بعض المعارك الحاسمة ، فمن الممكن أن يؤدي ذلك إلى إفشال التحضيرات التى يقوم بها الإمبرياليون للحرب العالمية و إلى أن تكون الطبقة العاملة قادرة على افتكاك السلطة السياسية فى العديد من البلدان، و إلى أن يكون الظرف العالمي عموما سانحا لتقدم النضال الثوري . و على العكس من ذلك، إذا عجز النضال الثوري عن الحيلولة دون نشوب حرب عالمية ثالثة، يتعين على الشيوعيين و البروليتاريا و الجماهير الثورية أن يكونوا مستعدين لتعبئة الغضب الذي سينجر حتما عن مثل تلك الحرب وكل العذاب الذي سيصاحبها وأن يوجهوا هذا الغضب ضد منبع هذه الحرب بالذات –الإمبريالية – ويتعين عليهم أن يستفيدوا من ضعف العدو لتحويل هذه الحرب الإمبريالية الرجعية إلى حرب عادلة ضد الإمبريالية و الرجعية.
   لقد تمكنت الإمبريالية من دمج العالم كله فى نظام عالمي شامل وواحد (و هذا الدمج يزداد اتساعا أكثر فأكثر ) و لذلك فإن الوضع العالمي يؤثر بشكل متزايد على سير الأحداث فى كل بلد وهو ما يفرض على القوى الثورية فى جميع أنحاء العالم أن تطوّر نشاطها بناءا على تقييم صحيح للوضع العالمي فى شموليته . وهذا لا يعنى إنكار المهمة الملحة الملقاة على عاتق القوى الثورية و المتمثلة فى تحليل الظروف الخاصة بكل بلد و صياغة إستراتيجيا و تكتيك مرتبطين بتلك الخاصيات وتطوير الممارسة الثورية . و لكن إذا عجز الماركسيون اللينينيون الماويون عن الفهم السليم للعلاقة الجدلية بين الوضع العالمي فى شموليته و الظروف الخاصة بكل بلد ، فإنهم لن يستطيعوا الاستفادة من الوضع العالمي الملائم جدا قصد التعجيل بالثورة فى كل بلد. يجب النضال ضد الاتجاه داخل الحركة الأممية المتمثل فى عدم النظر إلى الثورة فى بلد معين على أنها جزءا لا يتجزأ من النضال العام من أجل الشيوعية . لقد قال لينين: "لا يوجد سوى مفهوم أممي حقيقي واحد وهو أن يعمل كل فى بلاده بتفان من أجل تطوير الحركة الثورية و النضال الثوري وأن يدعم (عبر الدعاية و التعاطف و المساعدة المادية ) ذلك النضال ذاته و ذلك الخط نفسه و لا سواه، فى جميع البلدان بدون استثناء ". وقد أكد لينين كثيرا على أن على الثوري ألا ينظر لمسألة نشاطه الثوري من وجهة نظر بلادي "أنا" بل من وجهة نظر مشاركتي أنا فى الإعداد والدعاية من أجل التعجيل بالثورة البروليتارية العالمية ".

حول تياري الثورة البروليتارية                                                                       
   لقد قام لينين، منذ زمن طويل، بتحليل انقسام العالم إلى حفنة من الدول الرأسمالية المتقدمة من جهة و عدد هائل من الأمم المضطهَدة من جهة أخرى و التى تشكل الجزء الأكبر من أراضي وشعوب العالم و التى يقوم الإمبرياليون الطفيليون بنهبها و إبقائها قسرا فى حالة من التبعية والتخلف . و انطلاقا من معاينة الوضع برزت الأطروحة اللينينية التى أكدها التاريخ منذ ذلك الحين و القائلة بأن الثورة البروليتارية العالمية تتكون بصفة رئيسية من تيارين اثنين هما الثورة الاشتراكية- البروليتارية التى تنجزها البروليتاريا و حلفاؤها فى المراكز الإمبريالية و الثورة الوطنية التحررية (أو الديمقراطية الجديدة ) التى تنجزها الشعوب و الأمم التى ترزح تحت نير الإمبريالية . إن الإستراتيجيا الثورية فى عصر الإمبريالية تقوم جوهريا ( واليوم أيضا ) على التحالف بين هذين التيارين الثوريين.
   لقد شكل نضال الأمم و الشعوب المضطهَدة، منذ الحرب العالمية الثانية، أهم منطقة لعواصف الثورة العالمية . فقد كان ثمن الازدهار و الاستقرار و "الديمقراطية " فى العديد من البلدان الإمبريالية تقوية الاستغلال و بؤس الجماهير فى البلدان المضطهَدة . أما ظهور الاستعمار الجديد فلم ينه المسألة الوطنية و الاستعمارية على الإطلاق بل زاد من إخضاع أمم و شعوب بأكملها حسبما يقتضيه رأس المال العالمي مما أدى إلى نشوب سلسلة كاملة من الحروب الثورية ضد الهيمنة الإمبريالية .و اليوم فإن احتداد التناقضات فى المستوى العالمي يبرز إمكانيات جديدة لصالح هذه الحركات و لكن يضطرها فى نفس الوقت لمواجهة عراقيل و مهام جديدة . ورغم محاولات القوى الإمبريالية (ببعض النجاح ) لتخريب أو تشتيت النضالات الثورية للجماهير المضطهَدة – وخصوصا بغية تحويلها إلى أدوات للتنافس بين الإمبرياليين – فإن تلك النضالات ما زالت تكيل الضربات القوية للنظام الإمبريالي و تعجل بتطوّر أفاق الثورة فى العالم قاطبة.
   لقد تميزت الفترة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية فى الدول الإمبريالية للمعسكر الغربي بوجود وضع غير ثوري يعكس الاستقرار النسبي للأنظمة الإمبريالية فى تلك البلدان و ذلك بارتباط وثيق بالاستغلال المكثف للشعوب المضطهَدة من قبل تلك القوى الإمبريالية .و لكن الظروف الآن ملائمة للثورة أكثر من أي وقت مضى فى الماضي القريب .و يثبت التاريخ أن الأوضاع الثورية فى مثل هذه البلدان نادرة و أن ظهورها يقترن بصفة عامة بمرحلة احتداد التناقضات العالمية إلى أقصى درجة مثلما يتميز به الوضع الذي يتشكل اليوم على المستوى العالمي.
   إن النضالات الثورية للجماهير التى انطلقت فى جل البلدان الإمبريالية الغربية و خاصة خلال الستينات أثبتت بوضوح إمكانية حدوث ثورات بروليتارية فى هذه البلدان حتى و إن كانت الظروف فى تلك الفترة غير ناضجة بما فيه الكفاية لافتكاك السلطة و رغم تراجع تلك الحركات مع الانحسار العام فى الحركة العالمية . و اليوم فإن الاحتداد المتزايد للوضع العالمي ينعكس أكثر فأكثر داخل تلك البلدان بالذات ما يشهد عليه مثلا قيام تمردات هامة للشرائح البروليتارية الأكثر فقرا فى بعض البلدان الإمبريالية و كذلك تطور حركة قوية مضادة للاستعدادات الإمبريالية للحرب تشمل عدة بلدان و تضم جناحا ثوريا.
   أما فى البلدان الرأسمالية و الإمبريالية للمعسكر الشرقي فقد ظهرت تصدعات و انشقاقات هامة على الهيكل المستقر نسبيا للأنظمة الرأسمالية لبرجوازية الدولة . ففي بولونيا تمردت البروليتاريا وفئات جماهيرية أخرى ووجهت ضربات قوية للنظام القائم . و فى هذه البلدان تتطوّر أيضا آفاق الثورة البروليتارية و سوف تزداد نموّا مع تطور و احتداد التناقضات العالمية .إنه من الهام أن تُربّى العناصر الثورية فى هذين النوعين من البلدان بحيث تفهم طبيعة التحالف الإستراتيجي بين الحركة الثورية البروليتارية فى البلدان المتقدمة و الثورات الوطنية الديمقراطية فى الأمم المضطهَدة .ولا يزال الموقف الاشتراكي الشوفيني الذي ينكر أهمية النضال الثوري للشعوب المضطهَدة أو قدرتها على المضي نحو تحقيق الاشتراكية فى ظل قيادة البروليتاريا و قيادة حزب ماركسي-لينيني-ماوي حقيقي، لا يزال يمثل انحرافا خطيرا يجب مواصلة محاربته. و من مظاهر هذا الاتجاه المؤذى موقف التحريفيين المعاصرين بقيادة الإتحاد السوفياتي الذي يزعم أن نضال التحرر الوطني لا يستطيع النجاح إلا إذا كان يتمتع بالمساعدة التى يقدمها له "حليفه الطبيعي"، الإمبريالي ، و كذلك موقف التروتسكيين الذين ينكرون مبدئيا إمكانية تحويل الثورة الوطنية الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية . و من جهة ثانية، نجد انحرافا آخر تسبب فى طرح مشاكل هامة فى الفترة الأخيرة : وهو الانحراف المتمثل فى عدم الاعتراف بإمكانية ظهور أوضاع ثورية فى البلدان المتقدمة أو اعتبار أن مثل هذه الأوضاع الثورية لا يمكن أن تبرز إلا كنتيجة مباشرة لما تحرزه حركات التحرر الوطني من تقدم . إن هذين الإنحرافين يستنزفان قوة البروليتاريا الثورية لأنهما لا يأخذان بعين الاعتبار الظرف العالمي الآخذ فى التشكل و ما ينجر عن ذلك من فرص للتعجيل بالثورة فى مختلف أنواع البلدان و على المستوى العالمي .
بعض المسائل المتعلقة بتاريخ الحركة الشيوعية العالمية                                    
   لقد تمكنت البروليتاريا العالمية، خلال ما ينوف عن القرن المنقضي منذ أطلق البيان الشيوعي لأول مرة النداء الشهير : " يا عمال العالم اتحدوا !" من تجميع خبرة واسعة. وهي ذاتها خبرة الحركة الثورية فى مختلف البلدان و تشمل فترات رائعة من الانتصارات الحاسمة و المدّ الثوري كما تشمل فترات حالكة من الجزر و التراجع.
   و عبر مدّ الحركة و جزرها، تشكل علم الماركسية –اللينينية -الماوية و تطوّر من خلال النضال المتواصل ضد أولئك الذين أرادوا قتل جوهره الثوري و تحويله إلى عقيدة عقيمة، خالية من الحياة . وقد كانت أكبر المنعطفات فى تطور التاريخ العالمي و الصراع الطبقي مصحوبة دائما بمعارك ضارية فى الميدان الإيديولوجي بين الماركسية من جهة و التحريفية و الدغمائية من جهة أخرى . فقد كان الأمر كذلك فى العهد الذي خاض خلاله لينين صراعا ضد الأممية الثانية (وهو ما تزامن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى و ظهور وضع ثوري فى روسيا و أماكن أخرى) و كذلك فى العهد الذي خاض خلاله ماو تسى تونغ صراعا ضد التحريفيين المعاصرين السوفيات و كان نضالا عظيما يعكس أحداثا ذات بعد تاريخي عالمي (إعادة تركيز الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي، احتداد الصراع الطبقي فى الصين الاشتراكية و بروز موجة ثورية عالمية موجهة أساسا ضد الإمبريالية الأمريكية ). و كذلك فإن الأزمة العميقة التى تمر بها الحركة الشيوعية العالمية هي انعكاس لقلب السلطة البروليتارية فى الصين و الهجوم الشامل ضد الثورة الثقافية بعد وفاة ماو تسى تونغ و الانقلاب الذي قام به دنك سياو بينغ و هواوكوفينغ . و تعكس هذه الأزمة أيضا الاحتداد العام للتناقضات العالمية بما يعنى بدوره خطر الحرب العالمية و آفاق الثورة . فاليوم تماما مثلما كان الشأن خلال النضالات الكبيرة السابقة، لا تشكل القوى التى تناضل من أجل خط ثوري سوى أقلية صغيرة محاصرة و مطوّقة من قبل التحريفيين و كل أشكال مداحي البرجوازية. و مع ذلك، فإن تلك القوى تمثل المستقبل و حتى يتسنى للحركة الشيوعية العالمية أن تواصل التقدم يجب أن تثبت تلك القوى قدرتها على صياغة خط سياسي يرسم طريقا تتبعه البروليتاريا الثورية فى الظرف الحالي المعقد. و فعلا ،عندما يكون الخط صحيحا ، فإنه حتى إذا لم يكن لدينا جنود فسوف نحصل عليهم و حتى إذا لم تكن لدينا السلطة فسوف نحصل عليها . ذلك ما أكدت صحته التجربة التاريخية للحركة الشيوعية العالمية منذ عهد ماركس.
   إن التحليل السليم للتجربة التاريخية لحركتنا يشكل عنصرا بالغ الأهمية من أجل صياغة مثل ذلك الخط العام للحركة الشيوعية العالمية .و إنه لمن قبيل اللامسؤولية القصوى ،و من باب التناقض مع مبادئ نظرية المعرفة الماركسية أن لا نولي أهمية كافية للخبرة المكتسبة و الدروس المستوعبة من خلال النضالات الثورية لملايين الجماهير من البشر و التى ذهب ما لا يحصى من الشهداء من أجلها.
   إن الحركة الأممية الثورية اليوم و كذلك قوى ماوية أخرى ،هي وريثة ماركس و إنجلز ولينين وستالين و ماو و عليها أن ترتكز بقوة على هذا التراث . و لكن مع اعتبار هذا التراث أساسا لفكرها، يجب أن تكون لديها الشجاعة الكافية لنقد نواقصه. فبعض التجارب تستحق الإطراء والبعض الآخر يبعث على اللوعة . و يتعين على الشيوعيين و الثوريين فى كل البلدان أن يتأملوا ويدرسوا جيدا تلك التجارب الناجحة منها و الفاشلة حتى يستطيعوا أن يستخلصوا منها استنتاجات صحيحة و دروس مفيدة.
   تقييم تراثنا مسؤولية جماعية يجب أن تتحملها الحركة الشيوعية العالمية كلها و يجب أن يتم مثل هذا التقييم بشكل علمي صارم مرتكز على مبادئ الماركسية –اللينينية-الماوية وأن يأخذ بعين الاعتبار الظروف التاريخية الملموسة للفترات المدروسة و الحدود التى فرضتها تلك الظروف على الطليعة البروليتارية و أن يتم ذلك بالخصوص بروح تسعى إلى جعل الماضي يخدم الحاضر حتى نتلافى السقوط فى الخطإ الميتافيزيقي المتمثل فى قياس الماضي بأدوات الحاضر بدون اعتبار الظروف التاريخية . وتقييم شامل كهذا سوف يتطلب طبعا وقتا غير هين لكن ضغط الأحداث على المستوى العالمي و ظهور بعض الفجوات للتقدم الثوري يتطلب منا أن نقوم من الآن باستنتاج بعض الدروس الهامة التى سوف تمكن قوى الطليعة البروليتارية من أداء مسؤولياتها بشكل أفضل .                                                                                        
   لقد شكل تقييم الخبرة التاريخية فى حد ذاته دوما موضوع جدال كبير فى الصراع الطبقي فمنذ هزيمة كومونة باريس لم يتوقف الإنتهازيون و التحريفيون عن استغلال هزائم البروليتاريا ونواقصها بغاية قلب الخطأ و الصواب و خلط المسائل الثانوية بالمسائل الرئيسية و التوصل إلى إستنتاج مفاده أن" البروليتاريا ما كان عليها أن تحمل السلاح". و كثيرا ما كان بروز ظروف جديدة تعلة للارتداد عن المبادئ الجوهرية الماركسية، مع إدعاء إضفاء التجديد عليها . و من جهة أخرى، فإنه ليس بأقل خطأ و بأقل ضرر كذلك التخلي عن الروح النقدية الماركسية و عدم الاهتمام بتقييم نواقص البروليتاريا إلى جانب تقييم نجاحاتها و الاعتقاد بأنه يكفى تماما الاستمرار فى الدفاع أو التمسك بمواقف كنا نتصور سابقا أنها صحيحة فمثل هذه الطريقة تجعل الماركسية اللينينية الماوية جافة وهشة غير قادرة على التصدي لضربات العدو و عاجزة عن تحقيق أي تقدم جديد فى الصراع الطبقي و فى الواقع تخنق مثل تلك الطريقة الروح الثورية الماركسية اللينينية.
   لقد بيّن التاريخ فعلا أن التجديدات الحقيقية للماركسية (على عكس التشويهات التحريفية ) إنما كانت متصلة اتصالا وثيقا بمعارك ضارية للدفاع عن المبادئ الجوهرية للماركسية اللينينية الماوية و تدعيمها. و لنستشهد بمثالين يدلان على هذه الحقيقة التاريخية : نضال لينين المزدوج ضد أولئك التحريفيين المكشوفين و ضد من كانوا مثل كاوتسكي يعارضون الثورة زاعمين الارتكاز على "أرثودكسية ماركسية " و أيضا النضال الكبير الذي خاضه ماو تسى تونغ ضد التحريفيين المعاصرين و ارتدادهم عن تجربة بناء الاشتراكية فى الإتحاد السوفياتي فى عهد لينين و ستالين وهو النضال الذي خاضه فى نفس الوقت الذي كان يقوم فيه بنقد شامل و علمي لجذور التحريفية. وعلينا اليوم أن نعالج المسائل و المشاكل الشائكة التى يطرحها تاريخ الحركة الشيوعية العالمية حسب طريقة مماثلة . أما أولئك الذين يعلنون أمام الانتكاسات الحاصلة منذ وفاة ماو تسى تونغ عن الفشل الكامل للماركسية اللينينية أو الذين يزعمون أن الماركسية اللينينية الماوية أصبحت بالية وأن كل التجربة التى اكتسبتها البروليتاريا يجب أن يعاد النظر فيها فإنهم يمثلون خطرا جسيما. فهذا الاتجاه يريد الارتداد عن تجربة دكتاتورية البروليتاريا فى الإتحاد السوفياتي و إقصاء ستالين من صفوف قادة البروليتاريا وهو يهاجم فى الحقيقة الأطروحة الجوهرية فى اللينينية حول طبيعة الثورة البروليتارية و ضرورة حزب طليعي ودكتاتورية البروليتاريا .و قد قال ماو بوضوح : "فى رأيي هنالك "سيفان" : الأول هو لينين والثاني هو ستالين" و إذا يتم التخلي عن السيف ستالين  و"إذا ما تم فتح هذه البوابة فإن ذلك يعني عمليا نبذ اللينينية". إن تجربة الحركة الشيوعية العالمية إلى حدّ الآن تدل على أن هذه الملاحظة التى عبر عنها ماو تسى تونغ سنة 1956 ما زالت صحيحة . و كذلك فإن إضافات ماو تسى تونغ لعلم الثورة تتعرض اليوم إلى المحاصرة والطمس والتشويه. و فى الحقيقة كل ذلك ليس إلا نسخة "جديدة" من التحريفية و الاشتراكية الديمقراطية الأكثر ترهلا و عقما. و مازالت هذه التحريفية المكشوفة نسبيا سواء كان مصدرها الأحزاب الموالية تقليديا لموسكو أو التيار "الأوروشيوعي" أو المغتصبون التحريفيون فى الصين أو التروتسكيون و النقاد البرجوازيون الصغار للينينية، ما زالت تمثل أكبر خطر على الحركة الشيوعية العالمية . وفى نفس الوقت ما زال الشكل الدغمائي للتحريفية يعتبر عدوا لدودا للماركسية الثورية فهذا التيار الذي يعبر عنه كأوضح تعبير الخط السياسي لأنور خوجة و حزب العمل الألباني يهاجم الماوية و خط الثورة الصينية و خاصة تجربة الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى . ويزعم هؤلاء التحريفيين زيفا الدفاع عن ستالين (فى حين أن عددا كبيرا من أطروحاتهم ليست إلا تروتسكية ) فى حين أنهم يشوهون التراث الثوري الأصيل لستالين .و يعتمد هؤلاء المخادعين على نواقص و أخطاء الحركة الشيوعية العالمية ،بدلا من إنجازاتها ،كي يحاولوا نشر خطهم التروتسكي والتحريفي . ويطالبون من الحركة الشيوعية العالمية أن تحذو حذوهم معللين ذلك بضرورة البحث عن نوع من "النقاء العقائدي" الصوفي . إن المظاهر العديدة التى يشترك فيها خط أنور خوجة مع الشكل الكلاسيكي للتحريفية (بما فى ذلك مقدرة التحريفيين السوفيات و الرجعيين عموما على تشجيع واستغلال المعادات العلنية للينينية من قبل الأوروشيوعيين و أيضا معاداة خوجة المغلفة باللينينية حاليا ) تدل على أن لهذين الخطين جذور راسخة فى الإيديولوجيا البرجوازية.
واليوم يمثل الدفاع عما قدمه ماو تسى تونغ من إسهامات نوعية للماركسية –اللينينية مسألة ذات أهمية بالغة و ملحة بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية و للعمال ذوى الوعي السياسي والطبقي وجميع الثوريين فى العالم . فجوهر المسألة هنا ليس إلا معرفة ما إذا وجب الدفاع أم لا عن إسهامات ماو الحاسمة فى الثورة البروليتارية و علم الماركسية- اللينينية و التقدم على أساسها .فالمسألة إذا ليست إلا معرفة إذا ما وجب الدفاع أو لا عن الماركسية- اللينينية نفسها .
   لقد قال ستالين : " إن اللينينية هي ماركسية عصر الإمبريالية و الثورة البروليتارية " و هذا القول صحيح تماما فمنذ موت لينين شهد العالم مؤكدا تحولات كبيرة لكن طبيعة العصر بقيت هي نفسها. و ما زالت المبادئ الجوهرية للينينية صالحة و تمثل اليوم الأساس النظري الذي يقود فكرنا. إننا نؤكد بأن الماوية مرحلة جديدة فى تطور الماركسية- اللينينية وبدون الدفاع عن الماركسية –اللينينية –الماوية و بدون البناء على هذه القاعدة يستحيل الانتصار على التحريفية و الإمبريالية والرجعية عموما .

الإتحاد السوفياتي و الكومنترن                                                                       
لقد دشنت ثورة أكتوبر فى روسيا و إقامة دكتاتورية البروليتاريا بها مرحلة جديدة فى تاريخ الحركة العالمية للطبقة العاملة .و كانت ثورة أكتوبر الدليل الحي على صحة إسهامات لينين الأساسية فى النظرية العلمية للثورة البروليتارية و دكتاتورية البروليتاريا فلأول مرة فى تاريخ العالم نجحت الطبقة العاملة فى تحطيم جهاز الدولة القديم و إقامة حكومتها الخاصة و إفشال محاولات الاستغلاليين الذين أرادوا منذ البداية خنق النظام الاشتراكي ، كما نجحت فى خلق الظروف السياسية الضرورية لإقامة نظام اقتصادي اشتراكي جديد . وقد أثبتت التجربة الأهمية القصوى للدور الذي يلعبه حزب سياسي طليعي من طراز جديد ،أي الحزب اللينيني، طوال ذلك المسار.
و كان للثورة الروسية الوقع الكبير على المستوى العالمي خاصة و أنها انفجرت فى خضم الوضع العالمي المتسم بالحرب العالمية الأولى و ما رافق هذه الحرب من اندفاع ثوري. و منذ البداية ، اعتبر القادة الثوريون و العمال ذوى الوعي السياسي الطبقي فى البلد الاشتراكي الجديد أن انتصار الثورة فى هذا البلد لا يجب أن يكون غاية فى حد ذاتها بل هو بمثابة منفذ أول كبير فى النضال على الصعيد العالمي من أجل إلحاق الهزيمة بالإمبريالية و اقتلاع جذور الاستغلال وإقامة الشيوعية فى جميع أنحاء العالم . و على إثر الثورة الروسية، تكونت أممية جديدة ،أممية شيوعية ،هدفها المساعدة على استيعاب الدروس الحيوية للثورة البلشفية و القطع مع الإصلاحية و الاشتراكية الديمقراطية اللتين طالما سممتا و فى النهاية وسمتا الأغلبية الكبرى من الأحزاب الاشتراكية التابعة للأممية الثانية. و بارتباط بالتحولات التى جاءت بها الحرب العالمية الأولى فى الظروف الموضوعية ، قامت الثورة الروسية و الكومنترن بتحويل النضال من أجل الاشتراكية والشيوعية من ظاهرة كانت لحد ذلك الحين أوروبية أساسا إلى ظاهرة ذات أبعاد شاملة بالفعل، وذلك لأول مرة فى تاريخ العالم.
   وقد صاغ لينين و ستالين الخط البروليتاري حول المسألتين الوطنية و الاستعمارية فأكدا على أهمية الثورات فى البلدان المضطهَدة ضمن مسار الثورة العالمية البروليتارية فى مجملها ودحضا أطروحات أولئك الذين، مثل تروتسكي ،كانوا يعتقدون أن انتصار الثورة فى تلك البلدان مرتبط بانتصار البروليتاريا فى البلدان الإمبريالية ويرفضون الاعتراف بمقدرة البروليتاريا على تحقيق ثورة اشتراكية اعتمادا على نجاحها فى قيادة المرحلة الأولى من الثورة (الثورة الديمقراطية البرجوازية ) فى ذلك الصنف من البلدان.
   و اتسمت الفترة التى تلت الثورة الروسية بغليان ثوري فى كل أنحاء العالم حيث سعت الطبقة العاملة إلى افتكاك السلطة فى عدة بلدان . و رغم المساعدة التى قدمتها الدولة السوفياتية الجديدة بدون تردّد و رغم أن لينين قد كرّس نفسه لقضايا الحركة الثورية العالمية ، فإن بروز حلّ مؤقت للأزمة التى تمخضت عن الحرب العالمية الأولى إضافة إلى وجود نواقص فى الحركة الثورية للطبقة العاملة ثم عدم وصول القوى الإمبريالية إلى حد الانهيار ، كل ذلك أدّى إلى عدم انتصار الثورة خارج حدود الإتحاد السوفياتي.  فوجد لينين نفسه و من بعده ستالين أمام ضرورة المحافظة على مكاسب الثورة فى الإتحاد السوفياتي و المضي بنجاح فى تشييد نظام اقتصادي اشتراكي فى الإتحاد السوفياتي فقط . و بعد موت لينين ،خاض ستالين صراعا سياسيا وإيديولوجيا هاما ضد التروتسكيين و غيرهم من العناصر التى كانت تدعى استحالة بناء الاشتراكية فى الإتحاد السوفياتي نظرا لتدنى درجة تطوّر قوى الإنتاج ووجود عدد هائل من الفلاحين و عزلة الإتحاد السوفياتي عالميا . و تم دحض هذه النظرة الانهزامية على الصعيدين النظري و التطبيقي خاصة عندما هبت عشرات الملايين من العمال و الفلاحين للنضال من أجل القضاء النهائي على النظام الرأسمالي القديم و ممارسة الفلاحة بشكل تعاوني و خلق نظام اقتصادي جديد لا يقوم على استغلال الإنسان للإنسان .
    كان لهذه الحالات البليغة التأثير و الانتصارات الهامة التى حققتها دور كبير فى انتشار تأثير الماركسية –اللينينية عبر أنحاء العالم ، فارتفعت بذلك مكانة الإتحاد السوفياتي . و كان العمال ذوو الوعي السياسي الطبقي و كذلك الشعوب المضطهَدة على حق إذ اعتبروا الإتحاد السوفياتي الاشتراكي ينتمي لهم و هنؤوا أنفسهم على الانتصارات التى حققتها الطبقة العاملة فى الإتحاد السوفياتي و هبّوا للدفاع عنه ضد تهديدات الإمبرياليين و اعتداءاتهم.
   و لكن مع مرور الزمن نكتشف بأن مسار الثورة الاشتراكية فى الإتحاد السوفياتي شهد بعض نقاط ضعف و نواقص هامة حتى فى فترة التحولات الاشتراكية الكبرى فى العشرينات والثلاثينات . و يمكن تفسير بعض هذه المشاكل بأنها نتيجة لانعدام التجربة التاريخية السابقة لدكتاتورية البروليتاريا (بإستثناء كمونة باريس التى لم تدم سوى فترة قصيرة جدا) و نتيجة أيضا لما أظهره الإمبرياليون من عداء شديد تجاه الإتحاد السوفياتي و الحصار المتشدد الذي أقاموه حوله .غير أن تلك المشاكل تفاقمت ،و ظهرت مشاكل أخرى بسبب بعض الأخطاء النظرية والسياسية الهامة .و قد قام ماو، فى الوقت الذي دافع فيه عن ستالين ضد إدعاءات خروتشوف، بتقد جدي وصحيح لتلك الأخطاء و فسر الأساس الإيديولوجي لأخطاء ستالين قائلا : " كان لدى ستالين قدر غير هين من الميتافيزيقا و قد علم للكثير من الناس ممارستها "، " لم يكن ستالين يرى الرابط بين صراع الأضداد ووحدتها . لبعض السوفيات طريقة تفكير ميتافيزيقية ،تفكيرهم جامد إلى درجة أنهم لا يعترفون بوحدة الأضداد . فبالنسبة لهم إما أن يكون الأمر كذا أو كذلك و يقومون بالتالي بأخطاء سياسية ". والخطأ الأكثر أساسية الذي ارتكبه ستالين هو عدم توصله إلى تطبيق الجدلية بدقة فى كل الميادين مما أدّى به إلى استخلاص استنتاجات خاطئة تماما بشأن تبعات الصراع الطبقي فى ظل الاشتراكية و سبل الحيلولة دون عودة الرأسمالية . ولئن خاض نضالا حازما ضد الطبقات الاستغلالية القديمة، لم يعترف ستالين على المستوى النظري بظهور برجوازية جديدة فى صلب المجتمع الاشتراكي ذاته و بأن التحريفيين داخل الحزب الشيوعي الحاكم كانوا فى نفس الوقت الانعكاس و التعبير الأكثر تركيزا عن تلك البرجوازية الجديدة . و من هنا جاء خطأ ستالين عندما صرّح بأن " التناقضات الطبقية العدائية " لم تعد موجودة داخل الإتحاد السوفياتي اعتبارا لإقامة نظام ملكية اشتراكي بشكل أساسي فى الميدان الصناعي والفلاحي. فأدّى عدم تطبيق الجدلية بدقة فى تحليل المجتمع الاشتراكي بالقادة السوفيات إلى الاستنتاج بأن التناقض بين قوى الإنتاج و علاقات الإنتاج قد اختفى أيضا مع تحقيق البناء الاشتراكي و إلى عدم الاهتمام كما ينبغي بضرورة مواصلة الثورة فى البنية الفوقية و مواصلة تثوير علاقات الإنتاج حتى بعد أن يكون نظام ملكية اشتراكية قد ركز بصفة أساسية . إنّ هذا الفهم الخاطئ لطبيعة المجتمع الاشتراكي ساهم أيضا فى عجز ستالين عن التمييز كما ينبغي بين التناقضات بين الشعب و العدو و التناقضات فى صلب الشعب و هذا بدوره ساهم فى خلق ميل ملحوظ نحو الاتجاه إلى الطرق البيروقراطية لمعالجة تلك التناقضات مما وفر ثغرات للعدو .
   و بعد وفاة لينين، قاد ستالين الأممية الشيوعية التى واصلت لعب دور هام فساهمت فى تقدم الثورة العالمية و تطوير و تدعيم الأحزاب الشيوعية الحديثة النشأة . و قد شهدت سنة 1935 دعوة مؤتمر هام جدا للأممية الشيوعية فى فترة اتسمت بوجود أزمة اقتصادية عالمية فى أوج حدّتها وحرب عالمية جديدة تهدّد أكثر فأكثر بالانفجار بينما يلوّح الإمبرياليون أكثر فأكثر بالهجوم ضد الإتحاد السوفياتي ووصول الفاشية إلى السلطة فى ألمانيا و تحطيم الحزب الشيوعي الألماني  وأيضا تركيز الفاشية أو خطر تركيزها فى عدة بلدان أخرى فكان صحيحا و ضروريا أن تسعى الأممية الشيوعية لصياغة خط تكتيكي يشمل كل هذه المسائل . و نظرا للتأثير البالغ الذي تركه هذا المؤتمر السابع للكومنترن على تاريخ الحركة الشيوعية العالمية ،ينبغي إجراء تقييم جاد وعلمي للتقرير الصادر عن هذا المؤتمر على ضوء الظروف التاريخية لتلك الفترة وينبغي بصفة خاصة القيام بتحليل عميق للعوامل التى أدت إلى هزيمة الحزب الشيوعي الألماني . بيد أنه بإمكاننا منذ الآن استخلاص بعض الاستنتاجات حول هذه المسائل وهو ما يجب القيام به نظرا للمهام المطروحة على عاتق الماركسيين- اللينينيين اليوم . و يمكننا أن نشير إلى ثلاثة انحرافات واضحة جدا :                                                                                                       
أولا: الطريقة التى تمت بها معالجة الفرق بين الفاشية و الديمقراطية البرجوازية فى البلدان الإمبريالية : فرغم أهمية ذلك الفرق و معناه الحقيقي بالنسبة للأحزاب الشيوعية فى تلك الفترة إلا أن الطريقة التى عولجت بها هذه المسألة جعلت من الفرق القائم بين هاذين الشكلين من الدكتاتورية البرجوازية فرقا مطلقا و أعتبر أن النضال ضد الفاشية يمثل مرحلة إستراتيجية فى الثورة .                                                                                                              
ثانيا: أعلن المؤتمرون أطروحة مفادها أن البؤس المتفاقم للبروليتاريا فى البلدان المتقدمة كان من شأنه أن يخلق قاعدة مادية تسمح بتجاوز الانقسام داخل الطبقة العاملة و إنهاء الاستقطاب الحاصل لها من جراء ذلك و الذي حلله لينين تحليلا ضافيا فى كتاباته حول الإمبريالية و حول إفلاس الأممية الثانية . و إن كان صحيحا تماما بأن عمق الأزمة قد هدّد القاعدة الاجتماعية للأرستقراطية العمالية فى البلدان الرأسمالية المتقدمة و أن ذلك وفّر للأحزاب الشيوعية الفرصة التى تحتاجها من أجل التوحد مع قطاعات واسعة من العمال الذين كانوا لحد ذلك الحين فى مدار الاشتراكية الديمقراطية ، فإنه كان من الخطإ على الرغم من ذلك الاعتقاد فى إمكانية تجاوز الانقسام داخل الطبقة العاملة بأي معنى إستراتيجي معين .                                         
ثالثا: وقع تعريف الفاشية كنظام سياسي يمثل الشق الأكثر رجعية فى البرجوازية الاحتكارية فى البلدان الإمبريالية مما فتح الباب أمام ميول إصلاحية و سلمية خطيرة وصلت إلى حد اعتبار شق من البرجوازية الاحتكارية ذات طبيعة تقدمية.
   و مع أنه من الضروري تقييم هذه الأخطاء و إستنتاج الدروس الثمينة منها، فإنه يجب فى نفس الوقت الاعتراف بأن الأممية الشيوعية تمثل جزءا من موروث النضال الثوري من أجل الشيوعية و دحض هجومات التصفويين و التروتسكيين الذين يستغلون أخطاءا حقيقية قصد التوصل إلى استنتاجات رجعية . فقد توصلت الأممية الشيوعية فى تلك الفترة بالذات إلى تعبئة ملايين العمال من أجل النضال ضد الأعداء الطبقيين و خاضت معاركا بطولية ضد الرجعية فنظمت مثلا الألوية العالمية التى قاومت الفاشية فى إسبانيا و كانت الدماء التى سكبها عدد كبير من خيرة أبناء و بنات الطبقة العاملة دليلا بالغا على الروح الأممية . و كانت الأممية الشيوعية محقة فى اهتمامها الكبير بالدفاع عن الإتحاد السوفياتي ، أرض الاشتراكية . لكن عندما اضطر الإتحاد السوفياتي إلى القيام بمساومات مع بعض الدول الإمبريالية كان قادة الكومنترن فى غالب الأحيان عاجزين عن فهم جانب هام من هذه المسألة وهو ما عبر عنه ماو سنة 1946 (عندما قام الإتحاد السوفياتي بمساومات مع الولايات المتحدة و بريطانيا و فرنسا ) : " إن مساومات من هذا النوع لا تحتّم على الشعوب فى مختلف بلدان العالم الرأسمالي أن تقوم هي بالتالي بمساومات فى بلدانها هي" و لنضف إلى ذلك أنه لا بد أن تأخذ تلك المساومات قبل كل شيئ بعين اعتبار درجة التطور العام للحركة الثورية العالمية و التى يحتل فيها الدفاع عن البلدان الاشتراكية مكانة هامة بالطبع . ففي الظروف التى تتسم بمحاصرة بلد أو عدة بلدان اشتراكية من قبل الإمبريالية ، يشكل الدفاع عن تلك المكتسبات الثورية مهمة ذات أهمية بالغة بالنسبة للبروليتاريا العالمية . والبلدان الاشتراكية تضطر أيضا إلى الخوض فى المجال الدبلوماسي و يجب عليها إقامة أنواع مختلفة من الاتفاقات مع عدة بلدان إمبريالية لكن الدفاع عن البلدان الاشتراكية يجب أن يخضع دائما للتطور العام للثورة العالمية و يجب علينا أن لا نعتبر أبدا الدفاع عن البلدان الاشتراكية مرادفا للنضال العالمي للبروليتاريا فما بالك بأن نعتبره تعويضا عنه. و قد يصبح الدفاع عن بلد اشتراكي، فى ظروف معينة، مسألة رئيسية بالنسبة للحركة العالمية لكن ذلك يرجع بالضبط إلى أن ذلك الدفاع له أهمية حاسمة لتقدم الثورة العالمية.
   و من الضروري تقييم تجربة الحركة الشيوعية العالمية فى فترة الحرب العالمية الثانية على ضوء ما تقدم. ولا يمكن اعتبار الحرب العالمية الثانية مجرد إعادة بسيطة للحرب العالمية الأولى لأنه حتى و إن كانت المسؤولية فى الحالتين تعود إلى المنطق الدموي للنظام الرأسمالي نفسه، فإن الحرب العالمية الثانية جمعت مجموعة معقدة من التناقضات . ففي بداية سنة 1939 كانت الحرب كما قال ماو حربا "غير عادلة و نهابة و إمبريالية " لكن تحوّلا هاما له أبعاد عالمية طرأ عندما وجهت ألمانيا الهتلرية قوّتها ضد الإتحاد السوفياتي. و قد أوحى الصمود البطولي الذي أظهره الجيش الأحمر و الشعب و الطبقة العاملة السوفياتية بكثير من المعاني للطبقة العاملة والشعوب المضطهَدة فى أنحاء العالم . و قد جلب دخول الإتحاد السوفياتي فى تلك الحرب العادلة التعاطف والتأييد و لم يكن الأمر هنا مجرد تعاطف مع ضحية معتدى عليها لكن تعبيرا عن اقتناع راسخ بأن الدفاع عن الإتحاد السوفياتي كان يعنى أيضا الدفاع عن القاعدة الاشتراكية للثورة العالمية. و قد كانت الحرب التى خاضها الشعب الصيني أيضا (بقيادة الحزب الشيوعي الصيني) ضد اعتداءات اليابان حربا عادلة دون شك و عنصرا كامل الانتساب للثورة البروليتارية العالمية . و صارت طبيعة الحرب العالمية معقّدة خاصة عند دخول الإتحاد السوفياتي فى تلك الحرب التى صارت منذ ذلك الحين تشتمل على أربع مكونات : الحرب بين الاشتراكية والإمبريالية و الحرب بين المعسكرات الإمبريالية و حرب الشعوب المضطهَدة ضد الإمبريالية والتناقض بين البروليتاريا و البرجوازية الذي وصل فى بعض البلدان إلى درجة الصراع المسلح .و أدت مختلف مظاهر الحرب هذه من جهة إلى نمو القوى الاشتراكية و هزيمة القوى الإمبريالية الفاشية و إضعاف الإمبريالية ودفع النضالات التحررية الوطنية و أدت من جهة أخرى إلى مراجعة شاملة لتقسيم العالم بين الإمبرياليين و إلى بروز الولايات المتحدة على رأس العصابات الإمبريالية . وشهدت سيرورة الحرب العالمية الثانية انتصارات ثورية عظيمة، إلا أنه لا يمكن ألا نعترف بحصول العديد من الأخطاء الخطيرة و من الواجب علينا الشروع فى عملية تحليل عميق و جماعي لهذه الأخطاء بغية التمكن من مواجهة العواصف القادمة . و من الواجب الإشارة بالخصوص إلى الخطإ المتمثل فى تركيب التناقضات السالفة الذكر تركيبا انتقائيا . و قد تطابقت نشاطات الأحزاب الشيوعية فى الكومنترن أكثر فأكثر، على المستوى السياسي الملموس ،مع نضال الإتحاد السوفياتي على الصعيد الدبلوماسي و الاتفاقيات الدولية التى شارك فيها الإتحاد السوفياتي .و ساهم هذا المشكل فى إعطاء دعم قوي للنظرة التى تعتبر أن القوى غير الفاشية ليست قوى إمبريالية من الواجب الإطاحة بها. وكانت الأحزاب الشيوعية فى البلدان الأوروبية التى كانت تحتلها القوات الألمانية الفاشية ،على حق حين استغلت تكتيكيا الوازع الوطني الذي أثاره هذا الاحتلال خاصة فى تعبئة الجماهير و لكن حصلت بعض الأخطاء نتيجة تحويل هذه الإجراءات التكتيكية إلى مسائل ذات بعد إستراتيجي. وعرقلت بفعل مثل هذه الأفكار الخاطئة أيضا حركات التحرر فى المستعمرات التى يسيطر عليها حلفاء الإمبرياليين.
   على الماركسيين اللينينيين الماويين اليوم تعميق فهمهم لهذه الأخطاء الحاصلة و جذورها بدون أن ينسوا قيمة الانتصارات و النضالات الثورية العظيمة لهذه الفترة العصيبة و للسنوات الأولى بعد الحرب و بدون التخلي عن الدفاع على هذه المكتسبات.
   أما المعسكر الاشتراكي المنبثق عن الحرب العالمية الثانية فلم يكن صلبا بالمرّة . ولم تحصل فى غالبية الديمقراطيات الشعبية ، فى بلدان أوروبا الشرقية ، سوى تغييرات طفيفة و حتى الإتحاد السوفياتي ، شهد تصلب عود بعض العناصر التحريفية البارزة التى تمكنت من النموّ أثناء و بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة فأصبح لها تأثير متعاظم . و تمكنت هذه القوى التحريفية وعلى رأسها خروتشوف ، فى 1956 بعد وفاة ستالين، من الاستيلاء على السلطة السياسية وشن هجوم على الماركسية- اللينينية على جميع المستويات وأعادت تركيز الرأسمالية في الإتحاد السوفياتي .                                                                                                             
   ومن الواضح جدا الآن أن الانقلاب الذي قام به خروتشوف و التحريفيون فى الإتحاد السوفياتي مثّل الضربة القاضية للحركة الشيوعية فى الوضع الذي كانت فيه آنذاك .و انتشر سرطان التحريفية بسرعة و حصد بعدُ عددا كبيرا من الأحزاب (بما فيها بعض التى كانت أكثر نفوذا) والتى كانت كوّنت الأممية الشيوعية. و لم تعد بعض الأحزاب الأخرى تتمسّك إلا ببعض المزاعم الثورية و ما فتئت أن فسدت فتحوّلت إلى المواقع التحريفية المعاصرة فى حين أخمدت أنفاس العناصر الثورية لهذه الأحزاب . و حتى فى الإتحاد السوفياتي بعد موت ستالين فإن البروليتاريا و الماركسيين- اللينينيين الحقيقيين الذين أنهكت الحرب قواهم و الذين جردوا من أي سلاح بفعل الأخطاء السياسية و الإيديولوجية الهامة لم يكونوا قادرين على مواجهة قوية ضد الخونة التحريفيين .
ماو تسى تونغ ، الثورة الثقافية و الحركة الماركسية  اللينينية الماوية                   
   لقد شرع ماوتسى تونغ و الماركسيين –اللينينيين فى الحزب الشيوعي الصيني ، مباشرة بعد الانقلاب الذي قاده خروتشوف، فى تحليل ما حصل داخل الإتحاد السوفياتي و الحركة الشيوعية العالمية.و أخذوا فى النضال ضد التحريفية المعاصرة .و فى 1963 ، نشرت الرسالة ذات الخمسة و عشرين نقطة (" اقتراح حول الخط العام للحركة الشيوعية العالمية ") التى أدانت التحريفية بصفة علنية و كاملة ووجهت نداءا لجميع الماركسيين –اللينينيين الحقيقيين فى جميع البلدان.
إن جذور الحركة الماركسية - اللينينية- الماوية المعاصرة ترجع بالنظر إلى هذا النداء التاريخي والصراعات التى صاحبته.
   و لقد قام ماو و الحزب الشيوعي الصيني، محقين كثيرا فى الرسالة ذات الخمسة و عشرين نقطة و الصراعات التى صاحبتها، بـــ:
- الدّفاع عن الموقف اللينيني بخصوص دكتاتورية البروليتاريا و دحض النظرية التحريفية المزعومة "لدولة الشعب كله".
- الدفاع عن ضرورة الثورة المسلحة ورفض الإستراتيجيا المزعومة " للتحول السلمي للاشتراكية".                                                                                                            
- مساندة و تشجيع نموّ الحروب التحررية الوطنية للشعوب المضطهَدة و أظهروا أنه من المستحيل وجود استقلال فعلي فى ظلّ "الاستعمار الجديد" و فنّدوا الموقف التحريفي المزعوم القائل بتجنب الحروب التحررية الوطنية خوفا من انخرام "السلم العالمي".
- رسم تقييم عام إيجابي حول مسألة ستالين وتجربة البناء الاشتراكي فى الإتحاد السوفياتي، ومقاومة التشويهات التى تجعل من ستالين "جزارا" و"طاغية " مع توجيه، فى نفس الوقت، بعض النقد العام للأخطاء التى سقط فيها ستالين.
- مواجهة مجهودات خروتشوف الهادفة إلى فرض خط تحريفي على الأحزاب الأخرى ، ونقد توراز و توليوتي ، و تيتو و تحريفيين معاصرين آخرين.
- تقديم رسم أولي جنيني حول الطرح الذي يشتغل عليه ماو تسى تونغ و المتعلق بالطبيعة الطبقية للمجتمع الاشتراكي و مواصلة الثورة فى ظلّ ديكتاتورية البروليتاريا.
- الدعوة للقيام بتحليل عميق للتجربة التاريخية للحركة الشيوعية العالمية و جذور التحريفية .
   إن هذه المقترحات و بعض الجوانب الأخرى من رسالة الـ
25 نقطة و الصراعات، كانت و لا تزال ذات أهمية كبرى للتفريق بين الماركسية اللينينية والتحريفية. ولقد شجع ماو والحزب الشيوعي الصيني من خلال هذه الصراعات الماركسيين اللينينيين على القطع مع التحريفيين وعلى إعادة بناء أحزاب جديدة بروليتارية ثورية. ومثلت هذه الصراعات قطيعة أساسية مع التحريفية المعاصرة و شكلت أساسا كافيا للماركسيين اللينينيين يقدرون من خلاله على خوض النضال . رغم ذلك فإن نقد التحريفية لم يذهب بعيدا ولم يتناول العديد من المسائل و برزت بعض وجهات النظر الخاطئة فى نفس الوقت الذي وقع فيه نقد وجهات نظر أخرى. و بالذات لأن ماو والحزب الشيوعي الصيني و هذه الصراعات لعبوا دورا ذا أهمية كبيرة فى بناء حركة ماركسية لينينية ماوية فى العالم فإنه من الحق و الضروري الإشارة إلى المظاهر الثانوية ذات الطابع السلبي لهذه الصراعات و لنضال الحزب الشيوعي الصيني فى الحركة الشيوعية العالمية.
   لقد طرحت رسالة الـ 25 نقطة بخصوص البلدان الإمبريالية الموضوعة التالية : "و فى البلدان الرأسمالية التى يسيطر عليها الاستعمار الأمريكي أو يحاول السيطرة عليها ينبغي على الطبقة العاملة و جماهير الشعوب أن توجه هجومها بصورة رئيسية إلى الاستعمار الأمريكي، وأيضا إلى الطبقة الرأسمالية الاحتكارية و القوى الرجعية المحلية الأخرى التى تخون المصالح الوطنية". إن رؤية الأشياء بهذه الكيفية التى أضرت بتطور الحركة الماركسية اللينينية فى مثل هذه البلدان قد أخفت حقيقة أن "المصالح الوطنية" فى بلد إمبريالي هي مصالح الإمبرياليين وأن الطبقة الرأسمالية الاحتكارية فى السلطة لا تخون هذه المصالح بل بالعكس تدافع عنها مهما كانت طبيعة التحالفات التى تقوم بإبرامها مع بعض القوى الإمبريالية الأخرى بالرغم من أن هذه التحالفات تشمل لا محالة لا مساواة. فى حين أنه وقع تشجيع بروليتاريا هذه البلدان على مزاحمة البرجوازية الإمبريالية لمعاينة من هو قادر أكثر على الدفاع عن مصالح هذه الأخيرة . للحركة الشيوعية العالمية تاريخ كامل مع طريقة رؤية الأشياء هذه وقد حان الوقت للتخلص منها.
   وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني قد أولى اهتماما بالغا لتطوير الأحزاب الماركسية اللينينية الماوية المعارضة للتحريفية، فإن هذه الأحزاب لم تقدر على وضع الأشكال والطرق الضرورية لبناء الوحدة الأممية للشيوعيين. ورغم كل الإسهامات فى الوحدة الإيديولوجية والسياسية، فإنها لم تقم بالمجهودات الملائمة لبناء الوحدة التنظيمية على الصعيد العالمي . لقد اهتم الحزب الشيوعي الصيني أكثر من اللازم بالجوانب السلبية (مثل مشكلة المركزية المجحفة خاصة ) التى خنقت مبادرة واستقلالية الأحزاب الشيوعية أعضاء الكومنترن. وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني كان على حق حين انتقد نظرية "الحزب الأب" و تأثيرها السيئ على الحركة الشيوعية العالمية و حين أكد على ضرورة مبدأ العلاقات الأخوية بين الأحزاب، فإن غياب الإطار التنظيمي الذي كان يمكّن من الخوض فى جميع وجهات النظر  الوصول إلى أفق موحد، لم يساهم فى حلّ هذه المشكلة بل زاد من حدتها. و إن كان النضال ضد التحريفية المعاصرة على المستوى النظري لعب دورا عظيما فى تجميع الحركة الماركسية اللينينية الماوية، فإن الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى (و التى كانت هي الأخرى فى جزء كبير منها ثمرة هذا النضال ضد التحريفية المعاصرة) جسدت الشكل النضالي الجديد الذي لم يسبق له مثيل فى التاريخ وولدت جيلا جديدا من الماركسيين اللينينيين الماويين. فقد اندفع عشرات الملايين من العمال و الفلاحين والشباب الثوري للنضال من أجل الإطاحة بالمسؤولين السائرين فى الطريق الرأسمالي (المندسين داخل الحزب وأجهزة الدولة) ومن أجل مزيد تثوير المجتمع بأكمله و مسّوا فى العمق ملايين البشر فى جميع أنحاء العالم كانوا يخوضون نضالا ثوريا و يشكلون جزءا من الاندفاع الثوري الذي اجتاح العالم خلال الستينات و بداية السبعينات.
   الثورة الثقافية هي قمة المستوى الراقي و إلى حدّ الآن في ما بلغته دكتاتورية البروليتاريا وعملية تثوير المجتمع. لأول مرة فى تاريخ الإنسانية، وجد العمّال والعناصر الثورية الأخرى أنفسهم مسلحين بفهم جيد لطبيعة الصراع الطبقي فى المجتمع الاشتراكي وضرورة النهوض والإطاحة بالمسؤولين السائرين فى الطريق الرأسمالي  والذين يظهرون لا محالة وسط المجتمع الاشتراكي وخاصة على مستوى قيادة الحزب نفسه، و بضرورة النضال لدفع التحولات الاشتراكية إلى الأمام أكثر و اجتثاث الظروف المادية التى تولد هذه العناصر الرأسمالية من الجذور. وقد ساهمت الانتصارات الكبرى التى بصمت مجرى الثورة الثقافية فى منع ارتداد تحريفي فى الصين طيلة عشر سنوات و أدت إلى تحويلات اشتراكية هامة فى ميدان التعليم والفن و الأدب و البحث العلمي وفى العديد من الميادين الأخرى فى مستوى البنية الفوقية. و قد عمق الملايين من العمال والثوريين الآخرين فى خضم المعارك الإيديولوجية والسياسية الضارية للثورة الثقافية وعيهم السياسي الطبقي و استيعابها مما جعلهم قادرين أكثر على ممارسة السلطة السياسية. وخيضت الثورة الثقافية على نحو جعل منها جزءا لا يتجزأ من نضال البروليتاريا الأممي فشكلت أرضية تثقيفية للماركسية اللينينية و للمبادئ الأممية البروليتارية و ما يبرهن على هذا ليس الدعم المقدم للنضالات الثورية عبر جميع أنحاء العالم وحسب و لكن أيضا التضحيات التى قدمها الشعب الصيني لتوفير ذلك الدعم.                                                                                                                         
   وأفرزت الثورة الثقافية قادة ثوريين مثل كيانغ تشينغ وتسينغ سوين كياو انضموا إلى جانب الجماهير وواصلوا الدفاع عن الماركسية اللينينية الماوية حتى أمام الهزيمة القاسية .قال لينين: "ليس بماركسي غير الذي يعمّم اعترافه بالنضال الطبقي على الاعتراف بدكتاتورية البروليتاريا". لقد تدعم هذا الشرط الذي طرحه لينين أكثر على ضوء الدروس و النجاحات القيّمة للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى بقيادة ماو تسى تونغ. و يمكن لنا القول الآن ليس بماركسي غير الذي يعمّم اعترافه بالنضال الطبقي على الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا و أيضا على الوجود الموضوعي للطبقات و التناقضات الطبقية العدائية ومواصلة صراع الطبقات فى ظل دكتاتورية البروليتاريا طوال مرحلة الاشتراكية و حتى الوصول إلى الشيوعية. و كما قال ماو فإن:" كل خلط فى هذا المجال يؤدى لا محالة إلى التحريفية". وقد كانت الثورة الثقافية دليلا حيا على حيوية الماركسية اللينينية و أظهرت أن الثورة البروليتارية تتميز عن كل الثورات السابقة التى لم تكن قادرة إلا على تعويض نظام استغلالي بآخر. ومثلت مصدر إلهام لجميع الثوريين فى كل البلدان . لهذه الأسباب ما انفك الرجعيون و التحريفيون ينفثون سمومهم ضد الثورة الثقافية وضد ماو و لهذه الأسباب أيضا فإن الثورة الثقافية تشكل عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه ضمن التراث الثوري للحركة الشيوعية العالمية.                                                                                                      
    لقد تمكّن التحريفيون داخل الحزب و أجهزة الدولة الصينية، بالرغم من الانتصارات العظيمة للثورة الثقافية، من مواصلة احتلال مناصب هامة و تشجيع خطوط و إجراءات سياسية أضرت بالمبادرات الهشّة لأولئك الذين قاموا بمحاولات إعادة بناء حركة شيوعية عالمية حقيقية . فقد عمد التحريفيون فى الصين الذين كانوا يمسكون بجزء لا يستهان به من الدبلوماسية و العلاقات بين الحزب الشيوعي الصيني و الأحزاب الماركسية اللينينية الماوية الأخرى إما إلى إدارة ظهورهم للنضالات الثورية للبروليتاريا و الشعوب المضطهَدة و إما إلى توظيف هذه النضالات لمصالح الدولة الصينية. وهكذا أسندت صفة "المعادين للإمبريالية" لبعض الحكام المستبدين الرجعيين الحقيقيين، و بتعلة النضال العالمي ضد "الهيمنة" تم اعتبار بعض القوى الإمبريالية الغربية كقوى وسطية و حتى إيجابية فى الظرف العالمي. بعدُ فى ذلك الوقت قد سارت العديد من الأحزاب الماركسية اللينينية الموالية للصين والتي كانت تحظى بدعم التحريفيين فى الحزب الشيوعي الصيني فى ركب البرجوازية ووصل بها الأمر إلى حد الدفاع (أو على الأقل عدم مواجهة) التدخلات العسكرية للإمبريالية أو تحضيراتها للحرب الموجهة ضد الإتحاد السوفياتي البلد الذي وقع اعتباره أكثر فأكثر كـ "عدو رئيسي" على المستوى الدولي. وقد انتعشت تماما جميع هذه التيارات على إثر الانقلاب الذي حصل فى الصين وما تلاه من قيام التحريفيين بصياغة "نظرية العوالم الثلاث" و محاولتهم فرضها على الحركة الشيوعية العالمية. و كان الماركسيون اللينينيون الماويون على حق عندما دحضوا تشويهات التحريفيين التى كانت تدعى بأن ماو قد دافع عن "نظرية العوالم الثلاث" . و لكن هذا غير كاف إذ يجب تعميق نقد "نظرية العوالم الثلاث" بنقد المفاهيم التى تدعمها و بالكشف عن جذور هذه النظرية. و تجدر الملاحظة هنا أن المغتصبين التحريفيين فى الصين كانوا مضطرين للتنديد علنا برفاق ماو تسى تونغ فى السلاح متهمينهم بمعارضة "نظرية العوالم الثلاث".
   إن التناقض بين البلدان الاشتراكية والبلدان الإمبريالية هو أحد التناقضات أو السمات الأساسية لعصر الإمبريالية و الثورة البروليتارية . و على الرغم من أن هذا التناقض قد غاب اليوم مؤقتا بسبب التحولات التحريفية لمختلف البلدان الاشتراكية سابقا ، فإن هذا لا يغير فى شيئ من ضرورة تقييم التجربة التاريخية للحركة الشيوعية بصدد الكيفية التى عولج بها هذا التناقض والتى تبقى مسألة نظرية ذات أهمية : و بالفعل ستجد البروليتاريا يوما ما نفسها أمام ظروف يكون فيها بلد ( أو عدة بلدان) اشتراكية فى مواجهة سافرة مع أعداء إمبرياليين مفترسين . لقد تمكّن المسؤولون السائرون فى الطريق الرأسمالي ، سنة 1976 بعد وفاة ماو، من القيام بانقلاب دنيء نجحوا من خلاله فى فسخ الاستنتاجات الصحيحة للثورة الثقافية و طرد الثوريين من قيادة الحزب الشيوعي الصيني و تطبيق برنامج تحريفي فى جميع الميادين و الرضوخ للإمبريالية . وقاوم الثوريون فى الحزب الشيوعي الصيني هذا الانقلاب وواصلوا النضال من أجل أن تسترجع القيادة البروليتارية مقاليد السلطة فى هذا البلد. أما على المستوى الدولي فإن العديد من الشيوعيين الثوريين، فى عدد لا يستهان به من الدول، لم ينساقوا وراء الخط التحريفي لدنغ سياو بينغ و هواو كوفينغ و قاموا بمبادرات ملموسة لتعرية و نقد المسؤولين السائرين فى الطريق الرأسمالي فى الصين. لقد حيت هذه المقاومة (فى الصين و كذلك على المستوى الدولي) للانقلاب على القيادة الصحيحة لماو تسى تونغ الذي ما انفك يعمل بدون كلل على تسليح البروليتاريا و الماركسيين اللينينيين الماويين بتحليل للصراع الطبقي فى ظل دكتاتورية البروليتاريا وتمكينهم من فهم إمكانية إعادة تركيز الرأسمالية . و قد أمد العمل النظري للقيادة البروليتارية بزعامة ماو تسى تونغ الماركسيين اللينينيين الماويين بالعناصر الضرورية لكي يتمكنوا من الفهم الصحيح لطبيعة التناقضات فى المجتمع الاشتراكي وشكّل هذا العمل إضافة هامة للماوية مكنت الحركة الماركسية اللينينية الماوية من التهيؤ إيديولوجيا لمواجهة الأحداث الأليمة لسنة 1976 أكثر مما كانت عليه قبل 20 سنة عند حدوث الانقلاب التحريفي فى الإتحاد السوفياتي بالرغم من أنها تواجه هذه الحالة فى هذه المرة فى غياب دولة اشتراكية فى العالم.
   غير أنه كان لزاما أن تكون لعودة الرأسمالية فى بلد يضع بين حدوده ربع سكان العالم واستيلاء التحريفيين على حزب ماركسي لينيني ماوي كان سابقا فى طليعة الحركة الشيوعية العالمية، انعكاسات عميقة على النضال الثوري فى العالم و الحركة الماركسية اللينينية الماوية. هتفت العديد من الأحزاب التى تنتمي للحركة الشيوعية العالمية، طويلا للتحريفيين و تبنت "نظريتهم حول العوالم الثلاث" و تخلت نهائيا عن النضال الثوري. و تمكنت بذلك من زرع الانهيار فى الوقت الذي خسرت فيه كل ثقة من قبل العناصر الثورية فعرفت هذه الأحزاب أزمة داخلية عميقة أو انهارت تماما .وحتى فى صفوف قوى ماركسية لينينية ماوية أخرى رفضت الانسياق وراء القيادة التحريفية الصينية أدى الانقلاب الذي حصل فى الصين إلى نوع من الانهيار ووضعت الماركسية اللينينية الماوية موضع التساؤل من جديد و لقد تعزّز هذا التيار أكثر عندما شنّ أنور خوجة وحزب العمل الألباني حربا شعواء ضد الماوية. و بالرغم من أنه كان من المنتظر أن تمر الحركة الشيوعية العالمية بأزمة معينة بعد الانقلاب فى الصين، فإن عمق هذه الأزمة و الصعوبات الكبيرة الناجمة عنها تبرز بوضوح مدى عمق انغراز أنياب التحريفية بمختلف أشكالها داخل الحركة الماركسية اللينينية الماوية حتى قبل سنة 1976 . لذا يجب على الماركسيين اللينينيين الماويين مواصلة بحثهم و دراستهم لهذه المسائل للوصول لفهم جيد لجذور التحريفية لا فحسب فى هذه الفترة و لكن أيضا فى الفترات السابقة للحركة الشيوعية العالمية . و يجب عليهم مواصلة المعركة ضد تأثير التحريفيين و فى نفس الوقت الدفاع و السير قدما على أساس المبادئ الأساسية التى أفرزتها الانفجارات الثورية للبروليتاريا العالمية والحركة الشيوعية على مدى تاريخها .
مهام الشيوعيين الثوريين                                                                              
   تتمثل مهمّة الشيوعيين الثوريين فى جميع البلدان فى التعجيل بمستوى تطوّر الثورة العالمية:
- عليهم العمل بشكل تكون فيه البروليتاريا و الجماهير الثورية قادرة على الإطاحة بالإمبريالية والرجعية.
- إقامة دكتاتورية البروليتاريا وفقا للمراحل و التحالفات الضرورية للثورة فى مختلف البلدان.
- النضال من أجل إلغاء كل البقايا المادية و الإيديولوجية للمجتمع الاستغلالي و الوصول بهذه الكيفية إلى إقامة المجتمع الخالي من الطبقات أي الشيوعية على المستوى العالمي.
- وقبل كل ذلك و خاصة يجب على الشيوعيين عدم تناسي غاية وجودهم و العمل طبقا لهذا التوجه و إلا فستكون مساهمتهم فى الثورة غير ذات بال، بل أسوأ، سينتهون إلى التفسخ ويصبحون هم أيضا العراقيل أمام طريق الثورة.
   لقد أثبتت التجربة التاريخية أنه لا مجال لقيام الثورة البروليتارية و ضمان استمراريتها بدون وجود حزب بروليتاري حقيقي يتبنى علم الماركسية اللينينية الماوية كقاعدة لعمله، حزب منظم حسب المقاييس اللينينية و قادر على جلب و تكوين أحسن العناصر الثورية من البروليتاريا والفئات الجماهيرية الأخرى . و اليوم لا وجود لمثل هذا الحزب فى أغلب بلدان العالم و حتى إن وجدنا هذه الأحزاب فإنها غالبا ما تكون غير قوية إيديولوجيا و تنظيميا بصفة كافية حتى تتمكن من مواجهة المتطلبات و الفرص الواجب استغلالها فى المرحلة القادمة. لهذا فإن المهمّة الأساسية للحركة الشيوعية العالمية تتمثّل فى تأسيس و تقوية أحزاب ماركسية لينينية ماوية حقيقية .و من مهام الشيوعيين الثوريين الملحّة، فى البلدان التى لا يوجد بها حزب ماركسي لينيني ماوي، هي إنشاء مثل هذا الحزب بمساعدة الحركة الشيوعية العالمية . والجانب المهم فى تكوين الحزب هو صياغة خط و برنامج سياسيين صحيحين يأخذان بعين الاعتبار خصوصيات البلد المعني بالأمر و الوضع العالمي فى مجمله . و يجب أن يرتبط بناء حزب ماركسي لينيني ماوي بصفة وثيقة بالنشاط الثوري وسط الجماهير ووضع برنامج جماهيري ثوري و يجب البحث بالخصوص عن أجوبة للمسائل السياسية الملحة التى بحلها تتقدم الحركة الثورية. و إذا لم تتبع هذه الطريقة فستصبح مهمّة بناء مثل هذا الحزب عقيمة و منفصلة عن الممارسة الثورية ولن تبلغ الأهداف المنشودة. و يكون من الخطإ، من جهة أخرى، أن نعتبر تكوين الحزب مرتبط بالوصول إلى تجميع عدد معين من المنخرطين أو كذلك أن نصرّ على أنه لا بد من الوصول إلى درجة معينة من التأثير وسط الجماهير قبل تكوين الحزب. و غالبا ما يكون عدد المنخرطين فى الحزب ضئيلا عند تأسيسه ومهما يكن من أمر يجب البحث دائما على ربط العناصر الثورية براية الحزب و تطوير تأثير الحزب وسط البروليتاريا و الجماهير. و يجب أن يبنى الحزب الماركسي اللينيني الماوي و يتصلب من خلال نضال إيديولوجي نشيط ضد تأثير البرجوازية و البرجوازية الصغيرة فى صفوفه. ويجب على الماركسيين اللينينيين الماويين عند بناء الحزب الطليعي الاستفادة من دروس الثورة الثقافية التى ناضل ماو من خلالها لضمان الطابع البروليتاري والدور القيادي للحزب.
   وقد أثرى ماو المفهوم الأساسي للحزب الطليعي الذي صاغه لينين بفضل تحليله للصراع بين الخطين داخل الحزب و نقده للنظرة الخاطئة القائلة "بالحزب ذي الوحدة الصماء" و تأكيده على ضرورة التثقيف الإيديولوجي لأعضاء الحزب . و من الهام خلق واقع سياسي حيث تسود ، فى نفس الوقت، المركزية و الديمقراطية، و الانضباط و روح المبادرة ، ووحدة الإرادة و الحركة، وذهنية تشعر كل واحد بالأريحية و الحيوية .
تتخبط الممارسة فى الظلام إذا لم تكن تستنير بالنظرية الثورية فيجب على الماركسيين اللينينيين الماويين و الحركة الشيوعية العالمية جمعاء التمكّن أكثر من النظرية الثورية فى نفس الوقت الذي يقومون فيه بتحليل ملموس للظروف الملموسة للمجتمع و العالم قاطبة. و على الماركسيين اللينينيين الماويين ألا يتركوا المجال للقوى الأخرى لتحليل ظواهر جديدة و عليهم تطوير النضال النظري النشيط والتصدي لكل المشاكل الأساسية و كل مواضيع النقاش داخل الحركة و المجتمع بأكمله.  لا يجب عند بناء و تنظيم الحزب الماركسي اللينيني الماوي نسيان الهدف الأساسي و المتمثل بالظفر بالسلطة السياسية وعلى الحزب أن يعدّ صفوفه و البروليتاريا و الجماهير الثورية فى نفس الاتجاه على مستوى التنظيم و الخط السياسي و الإيديولوجي معا. ونستعيد هنا النداء الموجه فى خريف 1980 قائلين : "إن الشيوعيين فى كلمتين أنصار للحرب الثورية ". و يجب أن نعمل من أجل أن تكون الحرب الثورية و أشكال النضال الثورية الأخرى أرضية خصبة لتربية الجماهير الثورية بحيث تكون قادرة على ممارسة السلطة السياسية وتغيير المجتمع. وحتى وإن كانت الظروف السانحة لانطلاق الكفاح المسلح للجماهير غير متوفرة، يجب على الشيوعيين أن يقوموا بالتهيئة الضرورية تحسّبا لظهور مثل هذه الظروف. و يؤدى هذا المبدأ بالنسبة للأحزاب الماركسية اللينينية الماوية إلى سلسلة من الاستنتاجات (مهما كانت الفروقات الموجودة من وجهة نظر المهام و مراحل الثورة فى مختلف البلدان) من بينها سرية تنظيم الهياكل القاعدية للحزب و قدرة الحزب على تحمّل الإجراءات القمعية للرجعيين الذين لن يتسامحوا طويلا مع وجود حزب ثوري حقيقي. و فى نفس الوقت الذي يشرع فيه الحزب أو يتهيأ للشروع فى الكفاح المسلح من أجل الظفر بالسلطة السياسية، يجب عليه إستعمال جميع الطرق لتطوير نشاط شرعي و "مفتوح". و تؤكد التجربة التاريخية على أنه إذا كان مثل هذا النشاط هاما و ضروريا للغاية فى بعض الفترات فإنه لا بد أن يكون مقترنا بالدعاية السياسية الفاضحة للطبيعة الطبقية للديمقراطية البرجوازية .و مهما كانت الظروف، يجب على الشيوعيين أن لا يقلّلوا من يقظتهم و أن يتخذوا الإجراءات اللازمة لضمان قدرة الحزب على مواصلة نشاطه الثوري فى حالة انتفاء مختلف أبواب العمل الشرعي. و يجب تقييم تجربة الماضي فى هذا المجال واستخلاص الدروس الملائمة من أجل إيجاد حل صحيح للتناقض الخاص باستغلال مجالات وإمكانيات العمل الشرعي دون السقوط فى الشرعوية أو الغباوة البرلمانية. من أجل إنجاز مهامه الثورية و تهيئة الجماهير للظفر بالسلطة، على الحزب الماركسي اللينيني الماوي أن يتسلح بصحيفة شيوعية تصدر بصفة منتظمة حتى وإن كانت هذه الصحيفة تلعب دورا مختلفا من بلد لآخر اعتبارا للمهام التى يقتضيها طريق الثورة فى هذه البلدان. و يجب أن تتجنب الصحافة الشيوعية أن تكون حقيرة و ذات آفاق ضيقة و أن تكون عقيمة و دغمائية. يجب عليها أن تجتهد من أجل تسليح البروليتاريين الحاملين لوعي سياسي طبقي و العناصر الأخرى بالمسائل التى تمكّن من دراسة المجتمع و العالم بأكمله على جميع المستويات و يكون هذا رئيسيا بفضل التحاليل و الرؤى السياسية المتبعة من قريب لسير الأحداث الجارية.
   يتشكل الحزب الماركسي اللينيني الماوي فى كل بلد كفصيل من الحركة الشيوعية العالمية ويجب أن يطوّر نشاطه بحيث يكون جزءا لا يتجزأ من النضال الأممي من أجل الشيوعية و يكون فى خدمتها. ويجب أن يربّي الحزب صفوفه و العمال ذوى الوعي السياسي الطبقي و الجماهير الثورية على الأممية البروليتارية و لا تعني هذه الأخيرة تقديم بروليتاريي بلد ما المساعدة لبروليتاريي بلد آخر فحسب، فعلى الأممية أساسا أن تعكس شعورا لدى البروليتاريا بأنها تنتمي لطبقة واحدة فى كل أنحاء العالم و لها نفس المصلحة المشتركة كطبقة و أنها تواجه نظاما إمبرياليا عالميا وأن مهمّتها هي خلاص البشرية جمعاء. إن هذه التربية و الدعاية الأممية ضرورية إذا أردنا إعداد الحزب والبروليتاريا لكي يكونا قادرين على مواصلة الثورة حتى بعد الظفر بالسلطة فى بلد ما . فلا يجب اعتبار الوصول إلى السلطة السياسية وحتى إقامة نظام اشتراكي خال من الاستغلال نهاية فى حدّ ذاتها : ليس ذلك إلا الخطوات الأولى لمرحلة انتقالية طويلة مليئة بفترات المدّ و الجزر و مطبوعة بانتكاسات لا مفرّ منها و كذا بانتصارات إلى حين تحقيق الشيوعية على المستوى العالمي .
المهام فى المستعمرات و أشباه المستعمرات (أو المستعمرات الجديدة)                  
   لقد مثلت البلدان المستعمرة و شبه المستعمرة ( أو المستعمرات الجديدة ) الرازحة تحت النير الإمبريالي المسرح الرئيسي للنضال العالمي للبروليتاريا منذ الحرب العالمية الثانية و حتى يومنا هذا . و لقد تمكننا خلال هذه الفترة من مراكمة تجربة واسعة فى النضالات الثورية بما فى ذلك بالنسبة للمسائل التى تطرحها الحرب الثورية فتكبدت الإمبريالية هزائما خطيرة جدا و فازت البروليتاريا بانتصارات مؤكدة وصلت إلى إقامة بلدان اشتراكية .و من جهة أخرى، عرفت الحركة الشيوعية تجربة وضعيات قاسية خاضت خلالها الجماهير الثورية لهذه البلدان نضالات بطولية وحتى حروب تحرير وطنية دون أن يؤدي ذلك إلى أن تتمكن البروليتاريا و حلفاؤها من الفوز بالسلطة السياسية و إنما تمكّن خلالها مستغِلون جدد مرتبطون عادة بقوة إمبريالية معينة (أو بعدد من هذه القوى) من الاستحواذ على ثمار انتصارات شعبية ويبين كل ذلك أن القيام بتقييم المظاهر الإيجابية و السلبية للعشرات العديدة من السنوات من التجربة الثورية فى هذا النوع من البلدان يمثل مهمّة هامة جدا بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية .
   ولا تزال النظرية التى بلورها ماو تسى تونغ خلال السنوات الطويلة للحرب الثورية فى الصين تمثل المرجع الأساسي لصياغة الإستراتيجيا و التكتيك الثوريين فى البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة أو المستعمرات الجديدة . فى هذه البلدان تمثل الإمبريالية الأجنبية و كذلك البرجوازية البيروقراطية "والكمبرادورية " و الإقطاعيون- باعتبار الطبقتين الأخيرتين طبقات تابعة ومرتبطة بقوة بالإمبريالية- مرمى الثورة (هدفها). و تعبر الثورة فى هذه البلدان مرحلتين : ثورة أولى هي الثورة الديمقراطية الجديدة التى تؤدي مباشرة فيما بعد إلى ثورة ثانية هي الثورة الاشتراكية. وطبيعة و هدف و مهام المرحلة الأولى من الثورة تخوّل للبروليتاريا وتقتضى منها إقامة جبهة واسعة متحدة تجمع كل الطبقات والشرائح الاجتماعية التي يمكن كسبها لمساندة برنامج الديمقراطية الجديدة .و مع ذلك ، فإن البروليتاريا تسعى إلى بناء هذه الجبهة المتحدة بما يتفق مع مبدأ تطوير ودعم قواها الذاتية المستقلة وهو ما يستتبع مثلا أنه على البروليتاريا أن تكون لها قواتها المسلحة الخاصة متى حتمت الظروف ذلك و أنه عليها أن تفرض دورها القيادي تجاه قطاعات الجماهير الثورية خاصة تجاه الفلاحين الفقراء. و يتخذ هذا التحالف كمحور أساسي له تحالف العمال مع الفلاحين كما يجب أن تحتل الثورة الزراعية (أي النضال ضد الاستغلال شبه الإقطاعي فى الريف و /أو شعار "الأرض لمن يفلحها") مكانة مركزية فى برنامج الديمقراطية الجديدة.
   فى هذه البلدان ، تتعرض البروليتاريا و الجماهير إلى استغلال قاس وتمارس ضدها باستمرار الإهانات الراجعة إلى الهيمنة الإمبريالية وتكرّس الطبقات المسيطرة دكتاتوريتها عامة بصورة مباشرة و عنيفة و تكون هذه الدكتاتورية مقنعة بالكاد حتى حينما تستعمل هذه الطبقات شكل النظام الديمقراطي البرجوازي أو البرلماني . و كثيرا ما تدفع هذه الوضعية البروليتاريا والفلاحين وقطاعات جماهيرية أخرى إلى خوض نضالات ثورية و تتخذ هذه النضالات فى عديد الأحيان شكل النضالات المسلحة . ولكل هذه الأسباب ( بما فى ذلك واقع أن التطور المشوّه و غير المتوازن أبدا يخلق صعوبات جمّة للطبقات الرجعية التى تجد صعوبة فى الحفاظ على استقرار أنظمتها و فى توطيد سلطتها فى كل أنحاء البلاد و أرجاءها ) كثيرا ما تتخذ الثورة شكل الحرب الثورية الطويلة الأمد تتمكن من خلالها القوى الثورية من النجاح فى إقامة شكل من أشكال قواعد الارتكاز فى الريف و فى تطبيق الإستراتيجية الأساسية المتمثلة فى محاصرة المدن انطلاقا من الريف. و من أجل تتويج ثورة الديمقراطية الجديدة، يترتب على البروليتاريا أن تحافظ على دورها المستقل و أن تكون قادرة على فرض دورها القائد فى النضال الثوري وهو ما تقوم به عن طريق حزبها الماركسي اللينيني الماوي . و قد بينت التجربة التاريخية مرارا و تكرارا أنه حتى إذا ما اشتركت فئة من البرجوازية الوطنية فى الحركة الثورية فإنها لا تريد (ولا تستطيع ) قيادة ثورة الديمقراطية الجديدة و من البداهة إذا ألآ توصلها إلى نهايتها. كما بينت التجربة التاريخية أن "جبهة معادية للإمبريالية " (أو "جبهة ثورية " أخرى من هذا القبيل ) لا يقودها حزب ماركسي-لينيني – ماوي لا تؤدى إلى نتيجة حتى إذا ما كانت هذه الجبهة (أو بعض القوى المكوّنة لها ) تتبنى خطا "ماركسيا" معينا أو بالأحرى ماركسيا كاذبا . و بالرغم من أن هذه التشكيلات الثورية قد قادت أحيانا معاركا بطولية بل و سدّدت ضربات قوية للإمبريالية ، فإنها أظهرت أنها عاجزة على المستوى الإيديولوجي و التنظيمي ،عن الصمود أمام التأثيرات الإمبريالية و البرجوازية. و حتى فى الأماكن التى تمكّنت فيها هذه العناصر من افتكاك السلطة، فإنها بقيت عاجزة عن تحقيق تغيير ثوري كامل للمجتمع فانتهت جميعا ،إن عاجلا أم آجلا، بأن قلبتها الإمبريالية أو أن تحولت هي نفسها إلى نظام رجعي جديد يعمل اليد فى اليد مع الإمبرياليين.
   و يمكن للحزب الشيوعي فى الوضعيات التى تمارس فيها الطبقات المسيطرة ديكتاتورية عنيفة أو فاشية أن يستغل التناقضات التى يخلقها هذا الوضع بما يدعم الثورة الديمقراطية الجديدة و أن يعقد اتفاقات أو تحالفات مؤقتة مع عناصر من طبقات أخرى . و لكن هذه المبادرات لا يمكن لها أن تنجح إلا إذا واصل الحزب المحافظة على دوره القيادي و استعمل هذه التحالفات فى النطاق المحدّد بمهمته الشاملة و الرئيسية و المتمثلة فى إنجاح الثورة ، دون أن يحوّل النضال ضد الديكتاتورية إلى مرحلة إستراتيجية للثورة بما أن محتوى النضال المعادي للفاشية ليس إلا محتوى الثورة الديمقراطية الجديدة. ويتعين على الحزب الماركسي اللينيني الماوي لا فقط أن يسلّح البروليتاريا والجماهير الثورية بوسائل فهم طبيعة المهمّة الموكولة للإنجاز مباشرة (إنجاح الثورة الديمقراطية الجديدة) و الدور و المصالح المتناقضة لممثلي مختلف الطبقات (الصديقة أو العدوّة ) و لكن أيضا أن يفهمهم ضرورة تحضير الانتقال إلى الثورة الاشتراكية وواقع أن الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى الشيوعية على مستوى العالم .
   ينطلق الماركسيون اللينينيون الماويون من مبدإ أن على الحزب أن يقود الحرب الثورية بما يجعلها حرب جماهير حقيقية. و يجب عليهم حتى خلال الظروف العسيرة التى تفرضها الحرب أن يعملوا على تربية واسعة للجماهير و مساعدتها على بلوغ مستوى أرقى نظريا و إيديولوجيا ومن أجل ذلك يتوجب تأمين نشر وتطوير صحافة شيوعية منتظمة الصدور و العمل على أن تدخل الثورة الميادين الثقافية.
   فى البلدان المستعمرة و شبه المستعمرة ( أو المستعمرات الجديدة )، تمثّل الانحراف الرئيسي فى الفترة الأخيرة (و لا يزال) فى الميل إلى عدم الاعتراف أو إنكار هذا التوجه الأساسي للحركة الثورية فى مثل هذه البلدان : الميل إلى إنكار الدور القيادي للبروليتاريا و للحزب الماركسي اللينيني الماوي و إلى رفض أو تشويش انتهازي لنظرية حرب الشعب و إلى التخلي عن بناء جبهة متحدة على أساس تحالف العمال و الفلاحين تقودها البروليتاري. و قد تجلى هذا الانحراف التحريفي فى الماضي فى شكل "يساري" أو فى شكل يميني مفضوح . ولطالما نادى التحريفيون الجدد ب "الانتقال السلمي للاشتراكية " (و خصوصا إلى حدود الماضي القريب ) و سعوا إلى دعم القيادة البرجوازية فى نضالات التحرر الوطني و لكن هذه التحريفية اليمينية التى لا تخفى سياستها الاستسلامية، كانت دائما ما تجد صداها فى شكل آخر للتحريفية تتقاطع معها اليوم أكثر فأكثر : نوع من التحريفية المسلحة "اليسارية" تدعو لها فيمن يدعو لها ، من حين لآخر القيادة الكوبية وتؤدى إلى سحب الجماهير بعيدا عن النضال المسلح و التى تدافع عن فكرة دمج كل مراحل الثورة و عدم القيام إلا بثورة واحدة، ثورة اشتراكية مزعومة. و تؤدى هذه السياسة عمليا إلى محاولة دفع البروليتاريا إلى أفق محدود جدا و إلى إنكار واقع أن على الطبقة العاملة أن تقود الفلاحين و قوى أخرى وأن تسعى بذلك إلى تصفية كاملة للإمبريالية و للعلاقات الاقتصادية و الاجتماعية المتخلفة و المشوّهة التى يتمعّش منها رأس المال الأجنبي و التى يجتهد فى تدعيمها . و يمثل هذا الشكل من التحريفية اليوم واحدة من الوسائل الرئيسية التى يستعملها الإمبرياليون الاشتراكيون للاندساس فى نضالات التحرر الوطني و مراقبتها.
   يجب على الماركسيين-اللينينيين -الماويين ، حتى يمكّنوا تطور الحركة الثورية فى المستعمرات و أشباه المستعمرات (أو المستعمرات الجديدة) من اتخاذ توجه صحيح، أن يواصلوا تكثيف النضال ضد كلّ أشكال التحريفية و الدفاع عن إسهامات ماو باعتبارها أساسا نظريا ضروريا من أجل تحليل عميق للظروف الملموسة و بلورة خط سياسي مناسب فى مختلف البلدان من هذا النوع. ومن الواجب فى نفس الوقت تسجيل بعض الانحرافات الأخرى الثانوية هذه المرة التى ظهرت داخل القوى الثورية الحقيقية التى اجتهدت فى تطبيق خط ثوري فى المستعمرات والبلدان التابعة. و يجب أولا ملاحظة أن البلدان التى تجمع الأمم المضطهَدة فى أفريقيا و آسيا وأمريكا اللاتينية لا تمثّل كتلة واحدة وحيدة متجانسة بل تشمل اختلافات هامة فى تركيبتها الطبقية و فى شكل الهيمنة الإمبريالية و فى مواقعها من الوضع العالمي فى مجمله. و لا يمكن للميول نحو عدم القيام بتحليل عميق ، تحليل علمي ، لهذه المسائل و نقل ميكانيكي للتجربة السابقة للبروليتاريا العالمية أو عدم الأخذ بنظر الاعتبار التحولات التى حدثت فى الوضع العالمي و أوضاع البلدان الخاصة إلا أن تضر بقضية الثورة و أن تضعف القوى الماركسية اللينينية الماوية.
   فى الستينات وفى بداية السبعينات، التحقت القوى الماركسية اللينينية الماوية فى عدد كبير من البلدان (القوى التى كانت تأثرت بالثورة الثقافية فى الصين و التى كانت تمثل جزءا من الهبة الثورية التى كانت تمسح العالم آنذاك) ببعض قطاعات الجماهير لخوض الكفاح الثوري المسلح. وتمكنت القوى الماركسية اللينينية الماوية، فى عديد البلدان، من تجميع جزء معتبر من السكان تحت راية الثورة ومن تأمين إنقاذ الحزب الماركسي اللينيني الماوي و القوات المسلحة الشعبية رغم قمع رجعي دموي . وطبعت هذه المحاولات الأولى لبناء أحزاب ماركسية لينينية ماوية جديدة وشنّ الكفاح المسلح بالضرورة بصبغة بدائية معيّنة مبرزة لبعض النواقص الإيديولوجية والسياسية و من البديهي أن لا غرابة فى أن الإمبرياليين و التحريفيين قد قفزوا على هذه الأخطاء و النواقص من أجل إدانة الثوريين ناعتينهم بـ "اليساريين" أو أنكى . و مع ذلك تستحق هذه المبادرات عامة الدفاع عنها باعتبارها عناصر هامة من إرث الحركة الماركسية اللينينية الماوية ساعدت على وضع أسس تقدم لاحق.
   و كقاعدة عامة، تجد بلدان أفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية المضطهَدة نفسها باستمرار فى حالة وضع ثوري ولكن من الهام فهم معنى ذلك فهما جيدا : لا يتبع الوضع الثوري مسارا مستقيما بل يشمل حركات مدّ وجزر وعلى الأحزاب الشيوعية أن لا يغيب عن أنظارها هذا الجانب من المسألة. عليها ألا تنظر إلى المسائل بصفة أحادية الجانب و تؤكد أن تفجير الحرب الشعبية والانتصار النهائي فى هذه الحرب لا يرتبطان إلا بالعمل الذاتي (أي عمل الشيوعيين ) فى هذه الحرب و هي طريقة فى النظر إلى الأشياء تنسب عادة إلى "اللينبياوية". ورغم أن شكلا معينا للنضال المسلح يكون عموما مجديا و ضروريا لتحقيق مهام الصراع الطبقي فى كل الأوقات فى مثل هذه البلدان ، فإنه يمكن أن يكون الكفاح المسلح شكل النضال الرئيسي فى بعض الأحيان وأحيانا أخرى تكون الحالة غير تلك . وعندما تكون الوضعية الثورية فى فترة جزر ، فإنه يتوجب على الأحزاب الشيوعية أن تجد التدابير التكتيكية الواجب استعمالها فى هذه الوضعية و ألا تندفع فى مبادرات يدفعها نحوها التسرّع و نفاذ الصبر . ولا يجب فى مثل هذه الوضعية الإخلال بواجب القيام بالتحضيرات اللازمة (سياسيا و تنظيميا) من أجل حرب الشعب طويلة الأمد. و فى انتظار أن تكون الظروف مواتية لتقدّم جديد، يتوجب إيجاد أشكال متنوّعة للنضال و التنظيم تتلاءم مع الظروف الملموسة حتى نسرّع وتيرة تطوّر الثورة. و من الضروري محاربة كل وجهات النظر الخاطئة التى تسعى إلى تأخير الكفاح المسلح (أو إستعمال شكل معيّن من الكفاح المسلّح) حتى تصبح الظروف ملائمة للكفاح الثوري المسلح من أدنى البلد إلى أقصاها .فهذه الطريقة فى النظر إلى الأشياء تنفي أن الثورة و الوضعيات الثورية لا تتطوّر بصفة منتظمة فى هذه البلدان وهي على تناقض تام مع توجه ماو الذي تعبر عنه مقولته : "رب شرارة أحرقت سهلا" . و من الهام أيضا تسجيل أن الوضع العالمي فى مجمله يؤثر على سيرورة الثورة فى بلد معين و عدم أخذ ذلك بعين الاعتبار يؤدى إلى أن يكون الماركسيون اللينينيون الماويون على غير أهبة لاقتناص الفرص التى تتاح عندما يسبب توالي الأحداث على الصعيد العالمي تسارعا فى السيرورة الثورية.
   و اليوم يفرض التطوّر المتنامي لخطر حرب عالمية جديدة على الأحزاب و المنظمات الماركسية اللينينية الماوية فى المستعمرات الجديدة أن تتصدى كذلك لمهمّة ملحّة وهي الاعتناء بالنضال ضد الحرب الإمبريالية. و على الشيوعيين أن يأخذوا بعين الاعتبار احتمال جرّ عدد هام من البلدان إلى هذه الحرب بين الإمبرياليين باعتبار الموقع الذي تحتله تجاه مختلف الكتل الإمبريالية و على الأحزاب الشيوعية ان تتبيّن مختلف الأوضاع الملموسة الممكن بروزها بفعل هذه الحرب و أن تبلور تفكيرا يأخذ بعين الاعتبار مختلف هذه الإمكانيات . إن وعي الجماهير فى هذه البلدان بخطر الحرب الإمبريالية و تبعاتها هو عموما منقوص و من واجب الماركسيين اللينينيين الماويين تربيتهم فى هذا المجال والواجب الأهم بالنسبة للماركسيين اللينينيين الماويين فى حالة الحرب الإمبريالية هو محاولة الاستفادة من الفرص المواتية المتولّدة عن هذه الحرب بما يكثف النضال الثوري، ويحوّل الحرب الإمبريالية إلى حرب ثورية ضد الإمبريالية والرجعية. لقد لاحظ نداء 1980 أن: "هنالك توجه لا يمكن إنكاره لدى الإمبريالية لإدخال عناصر هامة من العلاقات الرأسمالية فى البلدان التى تسيطر عليها و لقد حصل هذا التطوّر الرأسمالي فى بعض البلدان التابعة إلى الحدّ الذي لا يصحّ معه وصف هذه البلدان بأنها شبه إقطاعية فيكون الأصوب اعتبارها بلدانا يغلب عليها الطابع الرأسمالي رغم وجود إمكانية العثور فيها على عناصر هامة وبقايا علاقات إنتاج شبه إقطاعية تجد انعكاسا لها فى البنية الفوقية". وينبغي فى مثل هذه البلدان القيام بتمحيص ملموس لهذه الظروف و استخلاص الاستنتاجات المناسبة فى خصوص الطريق الواجب إتباعها والمهام وطبيعة و مواقع القوى الطبقية و فى كل الحالات تبقى الإمبريالية هدفا للثورة. و لا يزال تحليل تبعات تنامي العلاقات الرأسمالية فى البلدان التى تهيمن عليها الإمبريالية يمثل مهمّة هامة للحركة العالمية، بما فى ذلك الحالة الخاصة للبلدان المضطهَدة الممكن تسميتها بالبلدان "يغلب عليها الطابع الرأسمالي" و يمكننا بالرغم من ذلك تقديم بعض الاستنتاجات الهامة فى هذا الموضوع بعد ُ(منذ الآن). إن الفكرة القائلة بأن ترابط الاستقلال السياسي الشكلي مع الحقن الهام للعلاقات الرأسمالية قد نفى ضرورة قيام ثورة الديمقراطية الجديدة فى معظم (أو حتى فى عدد كبير ) من البلدان التى وقعت ماضيا تحت الهيمنة المباشرة للإمبريالية ،هي فكرة خاطئة و خطيرة .إن هذه النظرة التى يقدّمها تروتسكيون متنوّعون واشتراكيون ديمقراطيون و نقاد برجوازيون صغار للماركسية الثورية تؤدى إلى القول بعدم وجود فرق ذي طبيعة نوعية بين الإمبريالية و الأمم المضطهَدة من قبل الإمبريالية و إذا وبضربة واحدة إلى فسخ واحدة من أهم خصائص كل عصر الإمبريالية. في الواقع، تواصل الإمبريالية عرقلة قوى الإنتاج فى البلدان التى تستغلها و لا يؤدى مستوى "التطوّر" الرأسمالي المعين (الهام إلى هذا الحد أو ذاك) الذي تدخله الإمبريالية لا شك فى ذلك إلى تطوير السوق الوطنية المتجانسة أو نظام اقتصادي رأسمالي من النوع "الكلاسيكي" فتطوّر هذه البلدان مختلّ بالكامل وتابع للرأسمال الأجنبي ويخدم مصالح هذا الأخير. و على الثورة فى مرحلتها الأولى أن تبقي على الإمبريالية الأجنبية كهدف لها حتى فى البلدان المضطهَدة التى "يغلب عليها الطابع الرأسمالي" و كذا العناصر التى تمثل ركائز الإمبريالية فى الداخل. و بالرغم من أن الثورة فى هذه البلدان ستتبع عادة مسارا مختلفا عن مسار الثورة فى البلدان التى تهيمن فيها العلاقات شبه الإقطاعية، فإنه من الواجب كقاعدة عامة أن تمر الثورة بمرحلة معادية للإمبريالية وديمقراطية قبل أن تتمكن من بدء الثورة الاشتراكية .
   ويطرح نمو مستوى التطور الرأسمالي فى بعض البلدان المضطهَدة مشكلا هاما جدا فى خصوص الأهمية النسبية للمدن بالنسبة للريف على المستويين السياسي و العسكري . وفى بعض هذه البلدان من الصائب أن يفجر الكفاح المسلح بدءا بالانتفاضات فى المدن و عدم إتباع الرسم القائل بمحاصرة الريف للمدن . بالإضافة إلى ذلك و حتى فى البلدان التى يتبع فيها طريق الثورة محاصرة الريف للمدن يمكن أن تظهر وضعيات تندلع فيها تمردات جماهيرية تؤدى إلى انتفاضات فى المدن و على الحزب أن يكون مستعدا للاستفادة من هذه الوضعيات فى نطاق إستراتيجيته الشاملة. و فى كلتا الحالتين يرتبط نجاح الثورة إلى حدّ بعيد بقدرة الحزب على تعبئة الفلاحين ودفعهم إلى المساهمة فى هذه الثورة تحت قيادة البروليتاريا. باعتبار أن جهاز الدولة المركزي قد نصب فى هذه البلدان حتى قبل أن تعرف "تطورا رأسماليا" ، فإن أغلب البلدان شبه المستعمرة أو المستعمرات الجديدة تشمل تشكيلات متعددة القوميات و كثيرا ما يكون جهاز الدولة نفسه مخلوقا من قبل الإمبرياليين أنفسهم. و بالإضافة إلى ذلك، فإن رسم حدود هذه البلدان كان نتيجة الاحتلالات والمؤامرات الإمبريالية. و هكذا نجد أمما مضطهَدة و فوارق قومية و اضطهادا قوميا شرسا حتى داخل البلدان المضطهَدة من قبل الإمبرياليين. و لا تقتص، فى عصرنا هذا، المسألة الوطنية على مشكل داخلي لبلدان معينة بل تجد نفسها مرتبطة بمسألة الثورة الاشتراكية العالمية و عليه فإن حلّ المسألة خاضع مباشرة لنجاح النضال ضد الإمبريالية و فى هذا الإطار ، على الماركسيين –اللينينيين-الماويين المناداة بحق تقرير المصير للأمم المضطهَدة فى أشباه المستعمرات المتعدّدة القوميات.
   و هكذا يمكن أن نقول إن للماركسيين اللينينيين الماويين ، فى المستعمرات و أشباه المستعمرات، مهمّة مزدوجة يقومون بها على الجبهة السياسية و الإيديولوجية فعليهم من جهة مواصلة الدفاع ونشر تطوير تعاليم ماو الأساسية حول طبيعة و مسار الثورة فى هذا النوع من البلدان و عليهم أيضا الدفاع عن ومحاولة التقدم على الأسس الموضوعية التى أرستها المبادرات الثورية التى طبعت "السنوات المجنونة " (استعارة لتعبير لينين) للستينات و من جهة أخرى على الشيوعيين الثوريين التدليل على حضور الفكر النقدي الماركسي من أجل تحليل كل من تجربة الماضي والوضعية الحالية و التغييرات التى يمكن أن تطرأ على سير الثورة فى هذه البلدان.

المهام فى البلدان الإمبريالية                                                                           
   يمكننا أن نستعيد صيغة نداء 1980 : " تبقى ثورة أكتوبر المرجع الأساسي للإستراتيجية والتكتيك الماركسي اللينيني" فى البلدان الإمبريالية. و علينا تأكيد ذلك و تعميقه إذ أن المبادئ الأساسية للينينية و الخاصة بإعداد الثورة البروليتارية و إنجازها فى البلدان الإمبريالية قد بقيت لوقت طويل تحت ركام من التشويهات التحريفية. ولقد أكد لينين بكثير من الصواب أهمية أن يطوّر الشيوعيون فى صفوف العمال حركة سياسية واسعة النطاق تكون قادرة حالما تسمح الظروف بذلك، على توجيه انتفاضة القوى الاجتماعية الثورية ضد سلطة الدولة الرجعية . كما أن لينين لاحظ بكثير من الصواب بأن حركة ثورية من هذا النوع لا يمكن لها أن تنبثق بعفوية من خلال نضالات العمال الاقتصادية من أجل عيشهم اليومي و أن هذا النوع من النضالات لا يمثل الحقل الأكثر أهمية لتطوير نشاط ثوري . و قد قدم لينين أطروحة أن على الثوريين أن "يحيدوا "بالحركة العفوية للجماهير لإخراجها من الطريق الضيقة جدا التى تعتني بشروط العيش و بيع قوة العمل ومن أجل النجاح فى جعل هذه الحركة العفوية "تحيد" ، يجب إعطاء العمال عناصر وعي سياسي طبقي تأتي من "خارج " المدار الضيق لتجاربهم اليومية خاصة بفضل التشهير السياسي و تحاليل كل الأحداث العامة فى كل ميادين المجتمع ، فى الميدان السياسي و الثقافي والعلمي إلخ . و لن يتشكل قطاع من البروليتاريا ذو وعي سياسي طبقي إلا بهذه الطريقة فيجّمع بروليتاريين واعين بمهامهم الثورية و بطبيعة دور كل القوى الطبقية الأخرى فى المجتمع .كما أن لينين شدّد أيضا على أن الدعاية و التحريض مهما كانا هامين فإنهما غير كافيين . فلن تتمكن الجماهير من تطوير عميق لوعيها الثوري و من تعلم النضال إلا من خلال الصراع الطبقي، خاصة من خلال النضال السياسي و الثوري. و بهذه الطريقة ، بالتزامن مع نشاط شيوعي واسع النطاق، تتمكن الجماهير من التعلم انطلاقا من تجاربها الخاصة و أن تتربي فى أوار الصراع الطبقي.
   وبعيدا عن أن يكون داعية "للوحدة الصماء للطبقة العاملة " بّين لينين أن الإمبريالية تؤدى لا محالة إلى " تغيير فى العلاقات الطبقية " إلى انقسام فى صلب الطبقة العاملة فى البلدان الإمبريالية بين البروليتاريا المضطهَدة و المستغَلة من جهة و بين شريحة عليا من العمال يقاسمون البرجوازية غنيمتها و يعملون اليد فى اليد معها .و قد تصدى لينين بضراوة أيضا لكل الذين سعوا ، بهذه الطريقة أو تلك ، إلى دمج مصالح البروليتاريا فى مصالح  برجوازيتـ"هم " الإمبريالية . و ناضل بلا هوادة من أجل خط الانهزامية الثورية فيما يخص الحروب الإمبريالية ولم يكن إطلاقا يتوانى عن رفع راية الأممية البروليتارية فى وجه "الراية الوطنية" البرجوازية الحقيرة. وقد بيّن لينين أيضا كيف أن آفاق الثورة فى البلدان الرأسمالية مرتبطة بالوضعيات الثورية قليلة الحدوث فى هذه البلدان و لكنها المعبّرة بطريقة مركزة عن التناقضات الأساسية للرأسمالية . و قد حلل واقع أن الأممية الثانية ارتكبت خطأ عند المراهنة الكلية على أن الفكرة الاشتراكية كانت ستأخذ بالنموّ داخل الجماهير فى تؤدة و دون هزات مؤكدا على النقيض من ذلك أن على الشيوعيين فى الفترات "الهادئة " نسبيا أن يجهزوا أنفسهم تحسبا للظهور المحتمل لتلك الأحيان الاستثنائية فى التاريخ التى يصبح من الممكن فيها إحداث تغييرات ثورية فى هذا النوع من البلدان و حيث تسم نشاطات الثوريين بميسمها المجتمع و العالم "للعشرات من السنين اللاحقة".
   و رغم أن لينين كان قد عبر بوضوح عن رأيه فى هذا المجال و رغم أن هذه المسائل تحتلّ مكانة مركزية فى مجموع النظرية العلمية الاشتراكية ، فإن اللينينيين كثيرا ما قرّروا عدم إيلائها أية أهمية .
   و قد ظهرت انحرافات اقتصادوية و تصورات خاطئة "للحزب الجماهيري" فى الوضعيات اللا ثورية فى سياسات بعض الأحزاب فى وقت مبكر من تاريخ الأممية الثالثة . و توطّدت هذه الميولات و انتهت بان كونت معتقدات حقيقية فى صفوف الحركة الثورية فى نفس الوقت الذي ظهرت فيه ميولات خاطئة أخرى و خطيرة جدا سارعت بالدفاع عن المصالح الوطنية للبرجوازية فى البلدان الإمبريالية. و للأسف كانت القطيعة مع التحريفية المعاصرة فى الستينات غير كافية بصفة جلية خاصة بالنسبة إلى مسألة الإستراتيجية و التكتيك الشيوعيين فى البلدان الإمبريالية . وبالرغم من أن أطروحة "الطريق السلمية " كانت نقدت و رفضت و أن التحليل القائل بأن انتفاضات مسلحة قد تكون ضرورية كان قد روّج على نطاق واسع فإن المجهود الذي كان يجب بذله لتقييم منابع التحريفية داخل الحركة الشيوعية فى البلدان الرأسمالية كان ضعيفا و ركزت القوى الماركسية اللينينية نشاطاتها بصفة عامة على التجارب السلبية لبعض الأحزاب الشيوعية خلال الثلاثينات أكثر من التركيز على "طريق ثورة أكتوبر" الذي رسم فى ظلّ قيادة لينين. و قد شاهدنا فى أغلب البلدان الإمبريالية ، خلال الستينات ، جناحا معتبرا من قوى ثورية جديدة تحيد نحو المغامراتية و الفئوية اليسراوية . و لكن مع مرور السنين ارتكبت الأحزاب و المنظمات الماركسية -اللينينية-الماوية عامة خطأ أدّى بها إلى محورة عملها حول نضالات العمال من أجل عيشهم اليومي و مزاحمة التحريفيين و الزعماء البرجوازيين للنقابات على زعامة هذه النضالات . إن هذا التقديس "للعامل المتوسط" و هذا الانهماك فى النضالات الاقتصادية لم ينجح فى الإتيان بشيء يذكر فى سبيل ربح حقيقي للعمال و دفعهم إلى اتخاذ موقف ثوري و الانخراط فى الأحزاب الماركسية اللينينية الماوية و للأسف كان لهذه السياسة تأثير ضار على الأحزاب الماركسية اللينينة الماوية نفسها و على أعضائها . فقد تبيّن أن الخط الاقتصادوي الذي هيمن فى الحركة الماركسية اللينينية الماوية فى هذه البلدان يتناقض مع المبادئ الثورية التى انبنت عليها هذه الحركة . و قد انخرط المناضلون الشبان الذين كانوا يمثلون الأغلبية الكبرى لأعضاء هذه الأحزاب فيها لأنهم كانوا يريدون النضال من أجل الشيوعية . وكانت رغبتهم فى توسيع الحركة الثورية للستينات قصد جذب البروليتاريا لها و اختلاطهم هم أنفسهم بالعمال ،( وهي الرغبة التى كانت بالتأكيد مستوحاة فى جانب كبير منها من تجربة ثوريي الثورة الثقافية الشبان) و تمثل شعورا ثوريا محقا و قويا ولكن ذلك لم يمنعه من أن يخنق و يشوّش بفعل تأثير الإقتصادوية . وعندما عرفت الهبّة الثورية العالمية فترة جزر ، مالت الأحزاب و المنظمات الماركسية اللينينية الماوية أكثر فأكثر نحو اليمين أملا فى وجود صدى أوسع داخل الجماهير على قاعدة خط لم يكن ثوريا . و لقد تقلّصت أكثر فأكثر العلاقة بين المهام التى كان مناضلو هذه المنظمات يجتهدون فى إنجازها و بين الإعداد للثورة وهو ما أدى إلى انحرافات من كل نوع و إلى يأس المناضلين و إلى توطّد الانتهازية.
   و تفاقمت خطورة الوضعية والخلط الذي أظهره الماركسيون –اللينينيون-الماويون تجاه مسألة "المهام القومية " (أو بالأحرى تجاه غيابها) فى البلدان الإمبريالية. و قد أشرنا بعدُ إلى أن الصراعات التى خاضها الحزب الشيوعي الصيني شملت أخطاء هامة فى خصوص هذه المسألة وأن هذه الأخطاء كانت قد استوعبتها الحركة الماركسية –اللينينية- الماوية . و قد اختلطت الرغبة الحقة بكل تأكيد و الأممية فى النضال ضد إمبريالية الولايات المتحدة (و التى وضعت بكل صواب كمخفر رئيسي للرجعية العالمية آنذاك ) أكثر فأكثر بسياسة كانت تؤدى إلى الدفاع عن مصالح بعض البلدان الإمبريالية حينما تصطدم هذه المصالح بمصالح الولايات المتحدة أو (وخاصة ) منذ بداية السبعينات ، بمصالح الإتحاد السوفياتي. و قد تبنت العديد من الأحزاب الماركسية اللينينية الماوية مواقفا خاطئة أكثر فأكثر تجاه الأحداث على المستوى العالمي و كانت هذه المواقف تتناقض مع الأممية و تصطف موضوعيا إلى جانب خط التحضيرات للحرب الإمبريالية و قمع الثورة المضادة . و قد لاحظنا فى مناسبة سابقة أن بعض الأحزاب الماركسية اللينينية الماوية فى البلدان الإمبريالية كانت قد تبنت مواقف اشتراكية شوفينية حتى قبل الانقلاب فى الصين سنة 1976.  
   و تمثل الإقتصادوية و الاشتراكية الشوفينية ( بما فى ذلك الشكل الجنيني "لنظرية العوالم الثلاث" خطأين خطيرين و مرتبطين الواحد بالآخر و هما العاملان الذاتيان الرئيسيان اللذان ساهما فى الانهيار شبه الكامل للحركة الماركسية -اللينينية- الماوية فى أوروبا، إثر الانقلاب فى الصين . وعلى الشيوعيين ، عند سعيهم إلى بناء و توطيد أحزاب ماركسية-لينينية-ماوية حقيقية فى البلدان الرأسمالية المتقدمة أن يهتموا كثيرا بالنضال ضد التأثيرات التى أحدثتها هذه الانحرافات. و فى حين كانت الحركة الماركسية -اللينينية- الماوية فى البلدان الرأسمالية المتقدمة تتجه نحو الانحراف، حاولت بعض الأجنحة من الثوريين الشبان أن تجد "إيديولوجيا جديدة" وطريقا آخر تتبعه. إن انجذاب قسم من الشبان نحو الفوضوية أو أشكال أخرى من الراديكالية البرجوازية الصغيرة، انعكاس لواقع أنهم يرغبون فى تحقيق تغييرات ثورية . و لكن هذه القوى عاجزة عن لعب دور ثوري بالكامل باعتبار أنها تنقصها النظرية الوحيدة الثورية بالكامل، الماركسية . و قد اختار عدد قليل من العناصر، فى بعض البلدان ، الإرهاب خطا سياسيا وإيديولوجية لا يعتمد على الجماهير الثورية و لا يحدد بصواب وسائل هزم الإمبريالية بصفة ثورية .و بالرغم من أن هذه الحركات الإرهابية تحب أن تدعى أنها " ثورية " للغاية إلا أنها فى الحقيقة قد استوعبت سلسلة كاملة من الانحرافات التحريفية و الإصلاحية كوجوب النضال من "أجل التحرر الوطني" المزعوم لبعض البلدان الإمبريالية مثلا و الدفاع عن الإتحاد السوفياتي الإمبريالي ...إلخ . و تشترك هذه الحركات مع الإقتصادوية فى نقص أساسي فى فهم واقع أنه يجب من كل بد، من أجل الإعداد للثورة، تطوير مستوى الوعي السياسي للجماهير و قيادتها فى نضالات سياسية. وبالرغم من أن "الغوص" فى المبادئ الأساسية للينينية يجب أن يكون نقطة انطلاق من أجل صياغة خط ثوري فى البلدان الإمبريالية ، فإنه غير مسموح لنا بأن نراوح مكاننا فالبلدان الإمبريالية اليوم مختلفة شديد الاختلاف و على عدّة أصعدة عن روسيا بداية القرن أو عن البلدان الإمبريالية الأخرى آنذاك . ولقد تمكننا أيضا من مراكمة تجارب عديدة (إيجابية وسلبية ) منذ ثورة أكتوبر بالنسبة لبناء الحركة الثورية فى هذه البلدان. ولقد حققت الإمبريالية خلال نموّها تغييرات عديدة مهمّة فى هذه البلدان بما فى ذلك التصفية شبه الكاملة للفلاحين فى بعض البلدان ونموّ سريع لقطاعات جديدة من البرجوازية الصغيرة إلخ . ولكن التغيير الأهم يظهر فى التعاظم الضخم لطفيلية البلدان الإمبريالية ( المرتكزة على نهب الأمم المضطهَدة ) و ما يصحبه من تكثيف الاستقطاب داخل الطبقة العاملة.
   و توجد فى البلدان الإمبريالية أرستقراطية عمّالية ضخمة ذات قاعدة صلبة و تأثير معتبر تستفيد من وجود الإمبريالية و لا تطلب أحسن من أن تخدم مصالحها . و تعمّق الإمبريالية التناقض بين هؤلاء العمّال و شريحة واسعة من الطبقة العاملة (بما فى ذلك جيش الصناعة الاحتياطي –العاطلون عن العمل ) المفقرين و الراغبين فى النضال من أجل تغيير جذري للأوضاع والذين يجدون أنفسهم مجبرين على النضال من أجل التوصّل إلى ذلك . و تشمل هذه الشريحة السفلى من الطبقة العاملة فى البلدان الرأسمالية الغربية الرئيسية جزءا هاما من العمال المهاجرين الوافدين من بلدان مضطهَدة من قبل الإمبريالية نفسها و كذلك تشمل أحيانا أقليات قومية و أمما مضطهَدة داخل البلدان الإمبريالية ذاتها و تكون تلك الشريحة السفلى من الطبقة العاملة العنصر الأهم فى القاعدة الاجتماعية لحزب البروليتاريا فى البلدان الإمبريالية. و بين هتين الشريحتين من الطبقة العاملة، يوجد عدد هام من العمال (و فى بعض الحالات حتى الأغلبية ) الذين حتى وإن كانوا لا يستفيدون من وجود الإمبريالية بنفس طريقة الأرستقراطية العمالية، فإنهم تلقوا تأثير فترة ازدهار نسبيا طويلة و لا يجدون أنفسهم مجبرين فى الأوقات العادية على إبراز أحاسيس ثورية . و أحد محاور النضال الهامة فى الصراع بين البروليتاريين ذوى الوعي السياسي الطبقي يقودهم الحزب الماركسي-اللينيني-الماوي من جهة و بين الأرستقراطية العمالية الرجعية و أشكال تعبيرها السياسي من جهة أخرى من أجل جذب تعاطف جماهير هؤلاء العمال الواسعة بقدر ما يدفعهم ازدياد خطورة الأزمة إلى التحرك خاصة حينما تتشكل وضعية ثورية . و بالرغم من أن على الحزب الماركسي-اللينيني- الماوي فى البلدان الإمبريالية ألآ يهمل تطوير نشاط معين داخل القطاعات المتبرجزة من الطبقة العاملة ، فإن عليه أن يركز نشاطه رئيسيا داخل شرائح العمال ذوى الطاقات الثورية الأكبر.
   و لن يكون بناء حركة ثورية و قيادتها نحو الانتصار ممكنا ما لم نعر اهتماما لنضالات الطبقة العاملة و شرائح اجتماعية أخرى من أجل عيشها اليومي . و بقدر ما يتجنب الحزب تركيز اهتمامه و اهتمام الجماهير على مثل هذه النضالات ، و بقدر ما يتجنب إهدار قواه و طاقته هو أو قوى وطاقات الجماهير، فإنه عليه ألا يهمل إبراز نشاط معين بالنسبة لهذه النضالات فقيادة نضالات اقتصادية لا يعنى الاقتصادوية. و على الحزب البروليتاري أن يأخذ بعين الاعتبار جديا هذه النضالات خاصة حينما توجد إمكانيات لتجاوز هذه النضالات حدود الاتفاقات. وهذا يعنى أنه يجب تطوير نشاط تجاه هذه النضالات بما ييسّر انتقال الجماهير نحو اتخاذ موقف ثوري خاصة حينما تكون الظروف ناضجة من أجل الثورة.
   و على الحزب الماركسي اللينيني الماوي أن يسعى إلى تطبيق التوجيه اللينيني : تحويل المصانع إلى قلاع للشيوعية . و لا تقتصر أهمية ذلك على زاوية التحضير السياسي للثورة و لكن أيضا على زاوية كل ما يستتبع ذلك بالنسبة للانتفاضة المسلحة للبروليتاريا . فإذا لم تتمكّن الأحزاب الماركسية اللينينية الماوية فى البلدان الإمبريالية من غرس جذور عميقة داخل الجماهير الثورية من خلال بلورة و تطبيق خط جماهيري ثوري فإنها ستجد صعوبة كبرى فى الاستفادة من ظهور وضعيات ثورية .و لا يزال فى هذا المجال التكتيك و أسلوب العمل اللذان بلورهما الحزب البلشفي و اللذان وصفهما لينين و حلّلهما يعدان مثالا أساسيا . و لكن ، من أجل تطبيق خط جماهيري و أسلوب عمل ثوريين ، يتوجب على ماركسيي لينينيي ماويي البلدان الإمبريالية أن يرفضوا القوالب الجاهزة التى تدعى إتباع الطرق "الصحيحة " وحدها فى النضال و التنظيم و كذلك المقولات الدغمائية عامة. و عليهم بالقيام بتحليل للخصوصيات المميزة للإمبريالية المعاصرة و تمحيص لطبيعة النضالات التى خاضتها الجماهير عن قرب و عليهم بالسعي إلى إيجاد حقول جديدة تلاءم والممارسة الثورية و تطوير أشكال جديدة للنضال و لتنظيم الجماهير و استعادة لمقولة لينين الحية، على الشيوعي "ألا يتخذ كاتب الجمعية المهنية مثاله الأعلى بل الخطيب الجماهيري".
    و بالتوازي مع تركيز الحزب الماركسي-اللينيني- الماوي رئيسيا على شرائح البروليتاريا ذات الطاقات الثورية الأكبر ،عليه بالسعي إلى تطوير نشاط ثوري معين داخل شرائح أخرى من المجتمع بما فى ذلك داخل بعض عناصر البرجوازية الصغيرة. و هنالك عامل آخر يمكن أن يكون مساعدا جدا للثورة البروليتارية فى عدد كبير من البلدان الإمبريالية هو أن هذه الوحوش الإمبريالية تحمل فى أعمق أعماق ذاتها أقليات قومية و أمما مضطهَدة . و قد سجلنا بعدُ أن عددا هاما من بروليتاريي هذه القوميات كثيرا ما يكونون جناحا هاما من الطبقة الوحيدة المتعدّدة الجنسيات، البروليتاريا. بالإضافة إلى ذلك فإن المسألة القومية تطرح بصفة أوسع بحيث تشمل طبقات وشرائح أخرى من هذه القوميات المضطهَدة و كثيرا ما أدت هذه الوضعيات إلى تفجر نضالات قومية حادة جدا داخل هذه البلدان الإمبريالية نفسها و فى هذه البلدان ، إذا ما تطرقت الأحزاب البروليتارية ( التى عليها أن تدعم هذه النضالات و تدافع عن حق تقرير المصير حيثما تطرح المسألة ) بصواب إلى هذه المسائل ، فإن هذه النضالات يمكن أن تلعب دورا هاما فى النضال من أجل قلب الدولة الإمبريالية .
   و فى بلدان أوروبا الشرقية ، تتمثل مهمة الماركسيين- اللينينيين -الماويين فى بلورة إستراتيجية و تدابير تكتيكية صائبة حتى تتمكّن من القيام بثورة اشتراكية آخذين بعين الاعتبار هيمنة الإمبريالية الاشتراكية السوفياتية و ما يستتبع ذلك من مهام و لكن دون أن يفضي ذلك إلى تقليص أو صرف النظر عن المهمّة المركزية ألا وهي قلب سلطة دولة برجوازيتهم البيروقراطية نفسها.
   و يفرض تطور الوضع الراهن فى اتجاه حرب عالمية و الأخطار و الفرص الثورية الناجمة عن ذلك على الأحزاب الماركسية -اللينينية- الماوية فى البلدان الإمبريالية أن تعلق أهمّية بالغة على مسألة الحرب العالمية و الثورة. وعلى الحزب الماركسي-اللينيني- الماوي أن يفضح تحضيرات الإمبرياليين للحرب بالعمل خاصة على كشف مصالح و مؤامرات طبقت"ه " المهيمنة الإمبريالية نفسها . و على الحزب أن يبيّن للجماهير أن مثل هذه الحرب تنبع من طبيعة الاستغلال الرأسمالي نفسه و أنها تمثل مواصلة للاقتصاد و السياسة الإمبرياليين و أن تقدّم الثورة العالمية وحده قادر على منع الحرب التى يعدون لها و على مهاجمة الأسباب العميقة لهذه الحرب . وعلى الشيوعيين أن يناضلوا دوما ضد مبادرات الذين يسعون إلى دمج مصالح البروليتاريا بمصالح البرجوازية الإمبريالية و عليهم أن يعلموا البروليتاريين ذوى الوعي السياسي الطبقي و عناصر أخرى أن الراية الوطنية هي راية الإمبريالية و أنها ممرغة بالدماء.
   يتعيّن على الشيوعيين أن يدفعوا الجماهير إلى مساندة نضال الشعوب و الأمم المضطهَدة ضد الإمبريالية حتى حينما تكون هذه النضالات تحت قيادة غير قيادة الماركسيين اللينينيين الماويين . ويتعيّن على الحزب أن يسعى دائما و بصفة عملية لأن يربي البروليتاريا على عقلية الأممية. ويستشعر الخطر الراهن المتعاظم لحرب عالمية اليوم بصفة أكيدة داخل جماهير البلدان الإمبريالية و ينبغي للشيوعيين أن يعيروا اهتماما بالغا للحركات الجماهيرية المعادية للاستعدادات للحرب والقيام بكل ما من شأنه أن يجيب على المسائل التى تثيرها هذه الحركات وينبغي على الحزب الماركسي الينيني الماوي أن يساند العناصر الثورية فى هذه الحركات و أن يسعى إلى إدخالها للحزب . كما ينبغي للحزب أن يتوحد مع مشاعر الجماهير المعادية للحرب فى نفس الوقت الذي يحارب فيه الفكرة الواهمة القائلة بأن "حركة من أجل السلام " معينة قادرة على منع الحرب الإمبريالية و أن يناضل خاصة ضد الآفاق القومية الشوفينية التى لا تمانع فى التضحية ببقية العالم إذا كان ذلك يمكّن من أن تتفادى أمة إمبريالية معيّنة دمار الحرب. و فى نفس الوقت الذي يسعى فيه الحزب الماركسي اللينيني الماوي فى البلدان الإمبريالية إلى التوحّد مع الجماهير فى النضال ضد الاستعدادات للحرب فهو يمتنع فيه عن الدعوة إلى أو مساندة المطالبة بإقامة "مناطق لا نووية " والمفاهيم الراهنة فى خصوص إنهاء وجود الكتل الإمبريالية إلخ ...فعلى الشيوعيين دوما و حتى فى البلدان الأقل وزنا و التى لا تمتلك أسلحة نووية أن يسعوا إلى إفهام الجماهير أن الإمبريالية تولد حروبا عالمية و أن لكل الطبقات الإمبريالية الممسكة بالسلطة قسطها من المسؤولية فى تحضير هذه الجريمة ضد الإنسانية و أن الحلّ الوحيد الحقيقي هو فى القيام بالثورة عوضا عن السعي إلى جعل بعض البلدان تبقى على" الحياد " وهي المبادرة التى لا تجد لها أساسا فى الواقع و الرجعية فى نهاية المطاف.
   و من واجب الحزب الماركسي- اللينيني- الماوي أن يستعدّ و أن يجعل البروليتاريا الثورية مستعدّة بما يضمن ، فى حالة عدم توفق الثورة إلى منع حرب إمبريالية ، الاستفادة من وهن الإمبرياليين وتعميق مشاعر الحقد التى ستولدها هذه الحرب بلا شك و إلى حدود واسعة وتحويلها إلى صدور الإمبرياليين أنفسهم و تحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية. يتعيّن على الأحزاب الماركسية اللينينية الماوية لكل البلدان الإمبريالية أن يتبنوا سياسة الانهزامية الثورية .و تلعب الصحافة الشيوعية فى البلدان الإمبريالية دورا له أهمية خاصة فى إعداد الثورة البروليتارية و من الواجب تطوير الصحافة بما يجعلها لسانا جماعيا للدعاية و التحريض ولتنظيم الحزب. وتقع على عاتق الماركسيين اللينينيين الماويين فى البلدان الرأسمالية المتقدّمة مهمّة مواصلة محاربة التأثير المقيت للتحريفية و الإصلاحية داخل صفوفهم نفسها .و المسألة الأساسية هنا هي المثابرة على النضال من أجل المبادئ التى بلورها لينين فى تحضير و إنجاز ثورة أكتوبر المحققة تحت قيادته . و على الماركسيين –اللينينيين- الماويين ، فى نفس الوقت ، القيام بتقييم تجربة الماضي و محاربة الدغمائية و أن يتوخّوا الصلابة فى المبدأ و المرونة فى التكتيك و البدء بإنجاز تحليل علمي للتبدلات الحاصلة فى البلدان الإمبريالية خلال العشريات الأخيرة و لتطوّر الإستراتيجية الثورية التى يمكن أن تجعلها هذه التبدّلات ضرورية .

من أجل وحدة الماركسيين اللينينيين إيديولوجيا و سياسيا و تنظيميا                      
   إن الحركة الشيوعية حركة أممية و لا يمكن لها إلا أن تكون كذلك و بالفعل ، عند إشهاره الاشتراكية العلمية، كان "بيان الحزب الشيوعي" قد أعلن :" يا عمال العالم اتحدوا !" . واكتست الوحدة الأممية للطبقة العاملة ، مع انتصار ثورة أكتوبر و تكوين الأممية الشيوعية ونشر الماركسية اللينينية اللاحق لذلك فى أرجاء الكرة الأرضية معنى أعمق.
   و اليوم و فى إطار الأزمة العميقة التى تحتدّ داخل الصفوف الماركسية-اللينينية ، نستشعر بإلحاح أكبر ضرورة الوحدة الأممية و ضرورة قيام تنظيم أممي جديد . وهي تجتهد فى سبيل التنظيم على المستوى العالم، راكمت البرولياتاريا العالمية تجربة إيجابية و سلبية فى آن معا .
   و من الواجب إخضاع فكرة حزب عمالي واحد و المركزية المفرطة للكومنترن المنجرّة عنها إلى تحليل حتى نتمكن من استيقاء الدروس السديدة فى خصوص تلك الفترة تماما كما في خصوص نجاعات الأمميات الأولى و الثانية و الثالثة . و من الواجب كذلك تمحيص ردّة فعل الحزب الشيوعي الصيني إزاء المظاهر السلبية للكومنترن المبالغ فيها والتي أدت به إلى رفض تحمل المسؤولية التى فرضت نفسها فى قيادة بناء وحدة القوى الماركسية اللينينية تنظيميا على المستوى العالمي . و فى هذا الظرف الحرج من التاريخ العالمي ،على البروليتاريا العالمية أن ترفع التحدي فى تكوين منظمة أممية من طراز جديد ترتكز على الماركسية-اللينينية -الماوية كأساس نظري يستوعب التجارب الثمينة للماضي . وهذا الهدف ينبغي أن يشهر عاليا أمام البروليتاريا العالمية ومضطهَدي كل العالم بنفس الجرأة الثورية التى دلّل عليها أسلافنا منذ الكومونيين فى باريس إلى المنتفضين البروليتاريين فى شنغاي الذين تجرأوا على مهاجمة السماء و قرروا إتيان "المستحيل"– بناء عالم شيوعي. و سوف يكون مسار بناء منظمة كهذه على الأرجح مسارا طويل الأمد . و تتمثّل المهمّة الأكثر أساسية فى هذا الصدد بالنسبة للماركسيين اللينينيين فى وضع خط عام و شكل تنظيمي صحيح وقادر على الاستمرار بما يتناسب مع الواقع المعقد لعالم اليوم و مع الفرص التى يتيحها.
   و مهمّة هذه الأممية الجديدة ستكون وضع و تعميق تقييم التجارب المعيشة و تطوير أكبر للخط العام الذي تستند إليه و العمل كمركز سياسي يوفر قيادة جماعية . و هذه المهام تستوجب شكلا من المركزية الديمقراطية المبنية على الوحدة السياسية و الإيديولوجية للماركسيين –اللينينيين. و لكن المنظمة لن تعمل بنفس الطريقة التى يعمل بها حزب بلد معين ،بما أن هذه المنظمة ستتكون من أحزاب مختلفة سوف تعامل على قدم المساواة و ستتحمل مسؤولية قيادة الثورة فى كل بلد معين بما يؤدى إلى إسهام كل حزب بقسطه فى التحضير و الإسراع بالثورة العالمية.
   واعتبارا لمستوى الوحدة الإيديولوجية و السياسية و لمستوى النضج اللذان بلغتهما الأحزاب والمنظمات الماركسية –اللينينية خلال المؤتمر الثاني فإنه يتوجب على هذه الأحزاب و المنظمات وضع بعض الإجراءات العملية قيد الممارسة بما يضع أساسا لتحقيق مهام أرقى ورد ذكرها أعلاه:
(1)- يجب تطوير مجلّة أممّية بما يجعلها أداة أساسية لإعادة بناء الحركة الشيوعية العالمية وعلى هذه المجلّة أن تكون بنفس الوقت وسيلة نشر لتحاليل و تعاليق سياسية و منبرا أيضا يمكن مناقشة المسائل التى تطرح على الحركة الأممية فيه . و تتعيّن ترجمة هذه المجلة إلى أكبر عدد ممكن من اللغات و توزيعها بنشاط داخل صفوف الأحزاب الماركسية –اللينينية وبين قوى ثورية أخرى .على الأحزاب الماركسية –اللينينية الشروع فى مراسلة منتظمة للمجلة والمساهمة فيها بالمقالات والنقد.
(2)- تلقى على عاتق الحركة الشيوعية العالمية مهمّة جماعية تتمثّل فى المساعدة على تشكيل أحزاب ماركسية –لينينية جديدة و تقوية الموجودة منها بعد ُ و يجب إيجاد الوسائل الكفيلة بتأمين مساعدة الحركة العالمية للماركسيين-اللينينيين فى مختلف البلدان على القيام بهذه المهمّة الأساسية.
 (3)- يجب على الأحزاب و المنظمات الماركسية-اللينينية أن تخوض حملات مشتركة و منسقة ويجب أن تنجز أنشطة غرة (أيار) ماي انطلاقا من قرارات موحدة.
(4)- على الأحزاب و المنظمات الماركسية-اللينينية المختلفة أن تضع قيد الممارسة الخط السياسي و الإجراءات التى وقع اعتمادها من قبل المؤتمرات الأممية و التى انخرطت فيها هذه الأحزاب مع مواصلة الصراع بنزاهة و على مستوى راق حول المسائل المختلف فيها .
(5)- على الأحزاب و المنظمات الماركسية –اللينينية ، فى حدود طاقاتها ، المشاركة فى ممارسة وتمويل المهام من أجل الرفع أكثر من وحدة الشيوعيين.
(6)- يجب تكوين لجنة انتقالية – مركز سياسي فى حالة جنينية - حتى تؤمن قيادة جماعية لمسار بناء وحدة الشيوعيين إيديولوجيا و سياسيا و تنظيميا بما فى ذلك من خلال تحضير مشروع نص الخط العام للحركة الشيوعية.
   يعدّ تكوين الحركة الثورية الأممية على قاعدة الوحدة الإيديولوجية و السياسية الأكثر تقدما التى بلغها الماركسيون اللينينيون من خلال مسار صراعات خيضت بنزاهة و على مستوى راق خطوة إلى الأمام بالغة الأهمية بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية و لكنه يبقى من البديهي دائما أنه يتوجب أن نصارع ضد الساعة حتى نتجاوز تأخّرنا تجاه التطوّر السريع للظروف الموضوعية على المستوى العالمي. يحتاج النضال الثوري للجماهير الشعبية فى كل البلدان إلى قيادة ثورية حقيقية و تقع مسؤولية تأمين هذه القيادة على عاتق الماركسيين -اللينينيين الحقيقيين فى البلدان المعنيّة و على المستوى العالمي فى نفس الوقت الذي يواصلون فيه النضال من أجل توطيد وتطوير مستوى وحدتهم . وبهذه الطريقة سيمكّن الخط الإيديولوجي و السياسي الصائب من إفراز جنود جدد ومن تكوين قوّة مادية أقوى فأقوى.
   إن كلمات "بيان الحزب الشيوعي" يعلو صليلها اليوم وحتى أكثر:
"ليس للبروليتاريا ما تفقده فيها سوى قيودها و أغلالها، و تربح من ورائها عالما بأسره".
1984مارس