27/3/2012
22/3/2012
حول الدّيــــن ---------------------------------- فريديريك انجلس
حول الدّيــــن
فريديريك انجلس
"و لكن الدين، أيّا كان، ما هو إلاّ
انعكاس خيالي في أذهان الناس للقوى الخارجية التي تسيطر عليهم في حياتهم اليوميّة،
و هو انعكاس تتّخذ فيه القوى الأرضيّة شكل القوى غير الأرضيّة. في بداية التاريخ
كانت مواد هذا الانعكاس بالدرجة الأولى قوى الطبيعة التي تمرّ في التطوّر اللاحق
عند مختلف الشعوب عبر مختلف أنواع التجسيدات المبرقشة. و قد تمّت متابعة هذه
العمليّة الأوّليّة عن طريق الميثولوجيا المقارنة – عند الشعوب الهنداوروبية على
الأقل – حتّى ظهورها الأوّل في الآثار الأدبية الهندية؛ و في التطوّر اللاحق لهذه
العمليّة فيما بعد درست بالتفصيل عند الهندوس و الفرس والإغريق والرومان و الجرمن،
و كذلك عند الكيلتيين و الليتوانيين و السلاف بقدر ما تسمح به المواد المتوفّرة.
ولكنّه سرعان ما ظهر إلى جانب قوى الطبيعة، مفعول القوى الاجتماعية – و هي القوى
المجابهة للإنسان بنفس القدر من الغربة و المجهولية في البداية كالذي يلازم قوى
الطبيعة، و هي، شأنها شأن قوى الطبيعة، تسيطر عليه بنفس الضرورة التي تبدو وكأنّها طبيعيّة. إنّ الصّور الخيالية التي انعكست فيها، بادئ ذي بدء، القوى
السحرية للطبيعة فقط اكتسبت الآن مستلزمات اجتماعية وصارت ممثّلة لقوى تاريخيّة*. و في درجة تطوّرية لاحقة انتقل مجمل المستلزمات الطبيعية والاجتماعية
لتعدد الآلهة إلى اله واحد كلّي الجبروت ما هو، بدوره، إلاّ انعكاس لإنسان تجريدي.
وهكذا ظهرت الوحدانية التي كانت من الناحية التاريخية آخر نتاج للفلسفة اليونانية
المبتذلة في عصر لاحق و وجدت تجسيدا جاهزا لها في الاله اليهودي القومي الصرف
يهوا. و بهذا الشكل المريح في الاستعمال و المتكيف لكل شيء يستطيع الدين ان يواصل
وجوده كشكل مباشر، أي شعوري، لموقف البشر من القوى الغريبة، الطبيعية و
الاجتماعية، المهيمنة عليهم طالما انهم باقون في الواقع تحت سلطة هذه القوى. و
لكنّنا رأينا مرارا أنّ ما يسيطر على الناس في المجتمع البرجوازي المعاصر، كقوّة
غريبة عليهم، هو العلاقات الاقتصادية التي خلقوها بأنفسهم، و وسائل الإنتاج التي
صنعوها بأنفسهم. و هكذا يظل قائما الأساس الفعلي للانعكاس الديني للواقع، و مع هذا
الأساس يظل باقيا انعكاسه في الدين. و مع أنّ الاقتصاد السياسي البرجوازي يقدّم
بعض الفهم للصلة السببية لسيطرة القوى الغريبة هذه، إلاّ أنّ الحال لا يتغيّر قيد
أنملة من جرّاء ذلك. إنّ الاقتصاد السياسي البرجوازي عاجز عن درء الأزمات عموما و
عن حماية الرأسمالي من الخسائر و من الديون الميئوس منها و من الإفلاس و عن تخليص
العامل من البطالة والبؤس. و لا يزال مستعملا حتّى الآن القول المأثور : الإنسان
يظن والله (أي سيطرة قوى أسلوب الإنتاج الرأسمالي الغريبة على الإنسان) يقدّر.
إنّ المعرفة وحدها، حتّى إذا سارت إلى أبعد و
أعمق من إدراك الاقتصاد السياسي البرجوازي، غير كافية لإخضاع القوى الاجتماعية
لسيطرة المجتمع. فإنّ ذلك يتطلّب بالدرجة الأولى فعلا اجتماعيا. و عندما يتحقق هذا
الفعل، عندما يضع المجتمع يده على مجمل وسائل الإنتاج و يوجّهها بموجب التخطيط، و
يحرّر بذلك نفسه و جميع أفراده من العبودية التي تفرضها عليهم الآن وسائل الإنتاج
التي صنعوها بأنفسهم و لكنّها تعارضهم كقوّة غريبة قاهرة، و عندما سيتمكّن الإنسان
بالتالي ليس من أن يظنّ فقط بل و أن يقدّر أيضا – عند ذلك تختفي آخر قوّة غريبة لا
تزال حتّى الآن تنعكس في الدّين، و يختفي معها الانعكاس الديني نفسه، لسبب بسيط هو
أنّه لن يعود هناك ما يعكسه".
---------------
* إنّ هذا الطابع المزدوج الذي اكتسبته فيما بعد صور
الآلهة كان هو السبب في التشوش الذي ظهر بعد ذلك في الميثولوجيات – وهو السبب
الذي فوّتته الميثولوجيا المقارنة و ظلت ترى في الآلهة، من جانب واحد، انعكاسا
لقوى الطبيعة وحدها. فلدى بعض القبائل الجرمانية، مثلا، كان إله الحرب يسمى
بالاسكندينافية القديمة "تير"، و بالألمانية القديمة العليا
"تسيو"، و ذلك يقابل "زيوس" الإغريقي و "جوبيتير"
اللاتيني ("جوبيتير" بدلا من "ديو-بيتير")، و كان يسمّى عند
قبائل أخرى "ار" و "اور"، ممّا يطابق "اريس"
الإغريقي و "مارس" اللاتيني.
انجلس، ضد
دوهرنج: ثورة السيد اوجين دوهرنج في العلوم، دار التقدم، موسكو، 1984، ص. ص.
366-368.
15/3/2012
مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة(1)
مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها
المكوّنة الثلاثة(1)
ف. ا. لينيــــن
.jpg)
يثير مذهب ماركس، في مجمل العالم المتمدن، أشد العداء والحقد لدى العالم البرجوازي، كله (سواء الرسمي أم الليبرالي)، إذ يرى في الماركسية ضربا من "بدعة ضارة". ليس بالإمكان توقع موقف آخر، إذ لا يمكن أن يكون ثمة علم اجتماعي "غير متحيّز" في مجتمع قائم على النضال الطبقي. فكل العلم الرسمي والليبرالي يدافع، بصور أو بأخرى، عن العبودية المأجورة، بينما الماركسية أعلنتها حربا لا هوادة فيها ضد هذه العبودية. أن تطلب علما غير متحيّز في مجتمع قائم على العبودية المأجورة، لمن السذاجة الصبيانية كأن تطلب من الصناعيين عدم التحيز في مسألة ما إذا كان يجدر تخفيض أرباح الرأسمال من أجل زيادة أجرة العمال.
ولكن
ليس ذلك كل ما في الأمر، فإن تاريخ الفلسفة وتاريخ العمل الاجتماعي يبـيّـنان بكل
وضوح أن الماركسية لا تشبه "الانعزالية" بشيء بمعنى أنها مذهب متحجر ومنطو
على نفسه، قام بمعزل عن الطريق الرئيسي لتطور المدنية العالمية. بل بالعكس. فإن
عبقرية ماركس كلها تتقوم بالضبط في كونه أجاب على الأسئلة التي طرحها الفكر
الإنساني التقدمي، وقد ولد مذهبه بوصفه التتمة المباشرة الفورية لمذاهب أعظم ممثلي
الفلسفة والاقتصاد السياسي والاشتراكية.
إن مذهب ماركس لكـلّي الجبروت، لأنه صحيح. وهو
متناسق وكامل؛ ويعطي الناس مفهوما منسجما عن العالم، لا يتفق مع أي ضرب من الأوهام،
ومع أية رجعية، ومع أي دفاع عن الطغيان البرجوازي. وهو الوريث الشرعي لخير ما
أبدعته الإنسانية في القرن التاسع عشر: الفلسفة الألمانية، الاقتصاد السياسي الانجليزي،
والاشتراكية الفرنسية.
وإننا سنتناول بإيجاز مصادر الماركسية الثلاثة
هذه، التي هي في الوقت نفسه أقسامها المكوّنة الثلاثة.
1
إن
المادية هي فلسفة الماركسية. في غضون كل تاريخ أوروبا الحديث، ولاسيما في أواخر
القرن الثامن عشر، في فرنسا، حيث كان يجري نضال حاسم ضد كل نفايات القرون الوسطى،
ضد الإقطاعية في المؤسسات وفي الأفكار، كانت المادية الفلسفة الوحيدة المنسجمة إلى
النهاية، والأمينة لجميع تعاليم العلوم الطبيعية، والمعادية للأوهام ولتصنّع
التقوى، الخ.. ولذا بذل أعداء الديمقراطية كل قواهم "لـدحض" المادية،
لتقويضها، للافتراء عليها؛ ودافعوا عن شتى أشكال المثالية الفلسفية التي تؤول ابدا،
على نحو أو آخر، إلى الدفاع عن الدين أو إلى نصرته.
وقد
دافع ماركس وانجلس بكل حزم عن المادية الفلسفية وبيّنا مرارا عديدة ما في جميع
الانحرافات عن هذا الأساس من أخطاء عميقة. ووجهات نظرهما معروضة بأكثر ما يكون من
الوضوح والتفاصيل في مؤلفي أنجلس: "لودفيغ فورباخ" و"دحض دوهرينغ"(2)،
اللذين هما، على غرار "البيان الشيوعي"، الكتابان المفضلان لدى كل عامل
واع.
ولكن ماركس لم يتوقف عند مادية القرن الثامن
عشر، بل دفع الفلسفة خطوات إلى الأمام. فأغناها بمكتسبات الفلسفة الكلاسيكية
الألمانية، ولا سيما بمكتسبات مذهب هيغل، الذي قاد بدوره إلى مادية فورباخ. وأهم
هذه المكتسبات، الديالكتيك، أي نظرية التطور بأكمل مظاهرها وأشدها عمقا، وأكثرها
بعدا عن ضيق الأفق، نظرية نسبية المعارف الإنسانية التي تعكس المادة في تطورها
الدائم. إن أحدث اكتشافات العلوم الطبيعية – الراديوم، والالكترونات، وتحوّل
العناصر – قد أثبتت بشكل رائع صحة مادية ماركس الديالكتيكية، رغم أنف مذاهب
الفلاسفة البرجوازيين ورغم ردّاتهم "الجديدة" نحو المثالية القديمة
المهترئة.
وقد عمق ماركس المادية الفلسفية وطوّرها،
فانتهى بها إلى نهايتها المنطقية ووسع نطاقها من معرفة الطبيعة إلى معرفة المجتمع
البشري. إن مادية ماركس التاريخية كانت أكبر انتصار أحرزه الفكر العلمي، فعلى إثر
البلبلة والاعتباط اللذين كانا سائدين حتى ذلك الحين في مفاهيم السياسة والتاريخ،
جاءت نظرية علمية روعة في التناسق والتجانس والانسجام، تبيّن كيف ينبثق ويتطور، من
شكل معين من التنظيم الاجتماعي، ومن جراء نمو القوى المنتجة، شكل آخر، أرفع، – كيف
تولد الرأسمالية من الإقطاعية، مثلاً.
وكما أن معرفة الإنسان تعكس الطبيعة القائمة
بصورة مستقلة عنه، أي المادة في طريق التطور، كذلك تعكس معرفة الإنسان الاجتماعية (أي
مختلف الآراء والمذاهب الفلسفية و الدينية والسياسية، الخ.) نظام المجتمع
الاقتصادي. إن المؤسسات السياسية تقوم كبناء فوقي على أساس اقتصادي، فإننا نرى،
مثلا، كيف أن مختلف الأشكال السياسية للدول الأوروبية العصرية هي أدوات لتعزيز
سيطرة البرجوازية على البروليتاريا.
إن فلسفة ماركس هي مادية فلسفية كاملة، أعطت
الإنسانية، والطبقة العاملة بخاصة، أدوات جبارة للمعرفة.
2
بعدما
لاحظ ماركس أن النظام الاقتصادي يشكل الأساس الذي يقوم عليه البناء الفوقي
السياسي، أعار انتباهه أكثر ما أعاره لدراسة هذا النظام الاقتصادي. ومؤلف ماركس
الرئيسي "رأس المال" مكرّس لدراسة النظام الاقتصادي في المجتمع الحديث،
أي الرأسمالي.
لقد
تكون الاقتصاد السياسي الكلاسيكي ما قبل ماركس في انجلترا، وكانت أكثر البلدان
الرأسمالية تطورا. فقد درس آدم سميث ودافيد ريكاردو النظام الاقتصادي فسجلا بداية
نظرية القيمة-العمل. وواصل ماركس عملهما. فأعطى هذه النظرية أساسا علميا خالصا وطورها
بصورة منسجمة إلى النهاية. وبيّن أن قيمة كل بضاعة مشروطة بوقت العمل الضروري اجتماعيا
لإنتاج هذه البضاعة.
وحيث كان الاقتصاديون البرجوازيون يرون علاقات
بين الأشياء (مبادلة بضاعة ببضاعة أخرى)، اكتشف ماركس علاقات بين الناس. إن تبادل
البضائع يعبر عن الصلة القائمة، بوساطة السوق، بين المنتجين المنفردين. والمال (النقد)
يعني أن هذه الصلة تزداد وثوقا، جامعة في كل واحد لا يتجزأ كل حياة المنتجين
المنفردين الاقتصادية. والرأسمال يعني استمرار تطور هذه الصلة: فإن قوة عمل
الإنسان تغدو بضاعة. فالأجير يبيع قوة عمله لمالك الأرض ولصاحب المصنع وأدوات
الإنتاج. والعامل يستخدم قسما من يوم العمل لتغطية نفقات إعالته وإعالة أسرته (الأجرة)؛
ويستخدم القسم الآخر للشغل مجانا، خالقا للرأسمالي القيمة الزائدة، التي هي مصدر
ربح، مصدر إثراء للطبقة الرأسمالية.
إن نظرية القيمة الزائدة تشكل حجر الزاوية في
نظرية ماركس الاقتصادية.
إن الرأسمال الذي يخلقه عمل العامل ينيخ
بثـقله على العامل، ويخرب صغار أرباب العمل، وينشئ جيشا من العاطلين عن العمل. وانتصار
الإنتاج الضخم في الصناعة أمر ظاهر من النظرة الأولى؛ ولكننا لنلاحظ ظاهرة مماثلة
في الزراعة أيضا: فإن تفوق الاستثمار الزراعي الرأسمالي الضخم واستخدام الآلات
يزدادان، والاستثمارات الفلاحية تقع في ربقة الرأسمال النقدي وتنحط ويحل بها الخراب
تحت وطأة تكنيكها المتـأخر. إن أشكال هذا الانحطاط في الإنتاج الصغير تختلف في
الزراعة عنها في الصناعة، ولكن الانحطاط نفسه واقع لا جدال فيه.
إن الرأسمال، إذ يغلب على الإنتاج الصغير،
يؤدي إلى زيادة إنتاجية العمل وإلى خلق وضع احتكاري في صالح اتحادات الرأسماليين
الكبار. وصفة الإنتاج الاجتماعية تزداد بروزا يوم بعد يوم. مئات الآلاف والملايين
من العمال يُجمعون في هيئة اقتصادية متناسقة، بينما قبضة من الرأسماليين تستملك
نتاج العمل المشترك. وتشتد فوضى الإنتاج، والأزمات والركض المجنون وراء الأسواق،
وعدم ضمان العيش لسواد السكان.
إن النظام الرأسمالي يزيد من تبعية العمال
إزاء الرأسمال ويخلق في الوقت نفسه قدرة العمل الموحد الكبيرة.
لقد تتبع ماركس تطور الرأسمالية منذ عناصر
الاقتصاد البضاعي الأولية، التبادل البسيط، حتى أشكالها العليا، الإنتاج الكبير.
وإن تجربة جميع البلدان الرأسمالية، القديمة
منها والجديدة، تبيّن بوضوح، وسنة بعد سنة، صحة مذهب ماركس هذا لعدد متزايد أبدا
من العمال.
لقد انتصرت الرأسمالية في العالم بأسره، ولكن
هذا لانتصار ليس سوى المقدمة لانتصار العمل على الرأسمال.
3
عندما
دُك النظام الإقطاعي، ورأى المجتمع الرأسمالي "الحر" النور، تبين فورا
أن هذه الحرية تعني نظاما جديدا لاضطهاد الشغيلة واستثمارهم. وفورا أخذت تنبثق شتى
المذاهب الاشتراكية، انعكاسا لهذا الاضطهاد واحتجاجا عليه، ولكن الاشتراكية
البدائية كانت اشتراكية طوبوية. فقد كانت تنتقد المجتمع الرأسمالي، وتشجبه، وتلعنه،
وتحلم بازالته، وتتخيل نظاما أفضل؛ وتسعى إلى إقناع الأغنياء بأن الاستثمار مناف
للأخلاق.
ولكن
الاشتراكية الطوبوية لم تكن بقادرة على الإشارة إلى مخرج حقيقي. ولم تكن لتعرف كيف
تفسر طبيعة العبودية المأجورة في ظل النظام الرأسمالي، ولا كيف تكتشف قوانين تطور
الرأسمالية، ولا كيف تجد القوة الاجتماعية القادرة على ان تصير خالقة المجتمع
الجديد.
غير أن الثورات العاصفة التي رافقت سقوط
الإقطاعية، القنانة، في كل مكان من أوروبا وخاصة في فرنسا، بيّـنت بوضوح متزايد
على الدوام أن النضال الطبقي هو أساس كل التطور وقوته المحركة.
فما من انتصار لحرية سياسية تم انتزاعه من
طبقة الإقطاعيين دون مقاومة يائسة. وما من بلد رأسمالي قام على أساس حر، ديمقراطي،
إلى هذا الحد أو ذاك، دون قيام نضال حتى الموت بين مختلف طبقات المجتمع الرأسمالي.
ومن عبقرية ماركس، أنه كان أول من استخلص هذا
الاستنتاج الذي ينطوي عليه التاريخ العالمي وطبقه بصورة منسجمة إلى النهاية، وهذا
الاستنتاج هو مذهب النضال الطبقي.
لقد كان الناس وسيظلون أبدا، في حقل السياسة،
أناسا سذجا يخدعهم الآخرون ويخدعون أنفسهم، ما لم يتعلموا استشفاف مصالح هذه
الطبقات أو تلك وراء التعابير والبيانات والوعود الأخلاقية والدينية والسياسية
والاجتماعية. فإن أنصار الإصلاحات والتحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين
عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن هذه الطبقات السائدة أو تؤمن وجود كل مؤسسة
قديمة مهما ظهر فيها من بربرية واهتراء. فلكي نسحق مقاومة هذه الطبقات ليس ثمة سوى
وسيلة واحدة هي أن نجد في نفس المجتمع الذي يحيط بنا القوى التي تستطيع – وينبغي
عليها بحكم وضعها الاجتماعي – أن تغدو القوة القادرة على تكنيس القديم وخلق الجديد،
و أن نثـقف هذه القوى وننظمها للنضال.
فقط مادية ماركس الفلسفية بينت للبروليتاريا
الطريق الواجب سلوكه للخروج من العبودية الفكرية التي كانت تتخبط فيها حتى ذاك
جميع الطبقات المظلومة. فقط نظرية ماركس الاقتصادية أوضحت وضع البروليتاريا
الحقيقي في مجمل النظام الرأسمالي.
إن المنظمات البروليتارية المستقلة تتكاثر في
العالم بأسره من أمريكا إلى اليابان ومن اسوج إلى إفريقيا الجنوبية والبروليتاريا
تتعلم وتتربى في غمرة نضالها الطبقي وتتحرر من أوهام المجتمع البرجوازي وتزداد
تلاحما على الدوام وتتعلم كيف تقدر نجاحاتها حق قدرها وتوطد قواها وتنمو بشكل لا
مرد له.
ف. ا. لينين، بروسفيشينيه، العدد
3، آذار/مارس 1913.
---------------
1- كتب لينين مقال "مصادر الماركسية الثلاثة واقسامها
المكونة الثلاثة" بمناسبة الذكرى الثلاثين لوفاة ماركس.
2- يشار هنا إلى كتاب انجلس "ضد دوهرينغ: السيد اوجين
دوهرينغ يقلب العلم".
المصدر: لينين، المؤلفات، الطبعة الروسية الخامسة، المجلد 23، ص ص. 40-48.
مصائر مذهب كارل ماركس التاريخية لينيـــــــــن
مصائـر
مذهب كـارل ماركـس التاريخيــة (1)
.jpg)
لقد صاغ ماركس
هذا المذهب للمرّة الأولى في عام 1844. و"البيان الشيوعي"، الذي كتبه
ماركس وانجلس، والذي صدر عام 1948، يعطي عن هذا المذهب عرضا كاملا منهاجيّا، هو
خير عرض لهذا المذهب حتّى اليوم. و مذ ذاك ينقسم التاريخ العالمي بوضوح إلى ثلاث
مراحل رئيسية: 1) من صورة 1848(2) إلى كومونة باريس (1871)(3)،
2) من كومونة باريس إلى الثورة الروسية (1905)، 3) ابتداءً من الثورة الروسية.
لنر إلى مصائر
مذهب ماركس في كلّ من هذه المراحل.
1
في بداية
المرحلة الأولى، كان مذهب ماركس أبعد من أن يكون المذهب السائد. فلم يكن سوى فرع
أو تيّار من فروع أو تيّارات الاشتراكية، الكثيرة جدّا. أمّا الأشكال التي كانت
سائدة في الاشتراكية، فقد كانت الاشكال التي تتقارب، من حيث الجوهر، مع
"الشعبية"(4) عندنا: عدم فهم الأساس المادي للتطور التاريخي،
العجز عن اكتناه دور و أهمية كلّ من طبقات المجتمع الرأسمالي، تمويه الطبيعة
البرجوازية للتحولات الديمقراطية بمختلف التعابير الاشتراكية المزيفة حول
"الشعب"، و "العدالة"، و"الحق" الخ..
و قد جاءت
ثورة 1948 تسدّد ضربة قاتلة لجميع هذه الأشكال الصاخبة، المبرقشة، اللاغطة،
لاشتراكية ما قبل ماركس. ففي جميع البلدان، أظهرت الثورة مختلف طبقات المجتمع قيد
النشاط والعمل. و جاءت مذبحة العمّال من جانب البرجوازية الجمهوريّة في أياك
حزيران (يونيو) 1848، بباريس، تحدّد نهائيا الطبيعة الاشتراكية للبروليتاريا
وللبروليتاريا وحدها. فإنّ البرجوازية الليبرالية قد خشيت استقلال هذه الطبقة أكثر
ممّا خسيت الرجعية ايّا كانت بمئة مرّة. و قد زحفت الليبرالية الجبانة أمام هذه
الرجعية. واكتفى الفلاحون بإلغاء بقايا الإقطاعية وانتقلوا إلى جانب النظام؛
ونادرا ما تجرجروا بين الديمقراطية العمالية وبين الليبرالية البرجوازية. و تكشف
جميع المذاهب التي تقول باشتراكية لاطبقية، و بسياسة لاطبقية، عن ثرثرة باطلة.
و كانت كومونة
باريس (1871) خاتمة هذا التطوّر من التحوّلات البرجزاوية. و فقط لبطولة
البروليتاريا، تدين الجمهورية برسوخها، أي هذا الشكل من تنظيم الدّولة، الذي
تتجلّى فيه العلاقات بين الطبقات بأقلّ المظاهر تمويها.
و في جميع البلدان الأوروبية الأخرى كان التطور
أشدّ غموضا و أقلّ اكتمالا، إلاّ أنّه أدّى إلى نشوء مجتمع برجوازي كامل التطوّر.
و في أواخر
المرحلة الأولى (1848- 1871)، مرحلة العواصف و الثورات، ماتت اشتراكية ما قبل
ماركس؛ و ولد حزبان بروليتاريان مستقلأّن: الاممية الأولى (1864- 1872)(5)
و الاشتراكية- الديمقراطية الالمانية.
2
تمتاز المرحلة
الثانية (1872- 1904) عن المرحلة الأولى بطابعها "السلمي"، بانعدام
الثورات. فقد انتهى الغرب من الثورات البرجوازية، و لمّا ينضج الشذرق لهذه
الثورات.
و دخل الغرب
في مرحلة التحضير "السلمي" لعهد التحويلات المقبلة: ففي كلّ مكان تشكّلت
أحزاب اشتراكية، أساسها بروليتاري، أخذت تتعلّم استخدام البرلمانية البرجوازية،
وإصدار صحافتها اليوميّة، وإنشاء مؤسساتها التثقيفية، و نقاباتها، و تعاونياتها.
واحرز مذهب ماركس انتصارا كاملا و أخذ يمتد ويتّسع. و ببطء، و لمن برسوخ، تطوّر
انتقاء وحشد قوى البروليتاريا، وإعدادها للمعارك المقبلة.
إنّ ديالكتيك
التاريخ يرتدي شكلا يُجبر معه يجبر معه انتصار الماركسية في حقل النظرية أعداء
الماركسية على التقنع بقناع الماركسية. و قد حاولت الليبرالية، المهترئة في
داخلها، أن تستأنف نشاطها تحت ستار الانتهازية الاشتراكية. و قد فسّروا مرحلة
إعداد القوى للمعارك الكبيرة بانّها عدول عن هذه المعارك. و كانوا يقولون إنّ
تحسين أوضاع العبيد بغية النضال ضدّ العبودية المأجورة ينبغي أن يجري بطريقة
يتنازل فيها العبيد عن حقوقهم في الحرية لقاء فلس واحد. و كانوا يدعون بجبن إلى
"السلام الاجتماعي" (أي إلى السلام مع العبودية)، و إلى الإقلاع عن
النّضال الطبقي، الخ.. و كان لهم أنصار عديدون جدّا بين البرلمانيين الاشتراكيين و
بين مختلف الموظّفين في الحركة العمالية و بين المثقفين "المحبذين".
3
و كان
الانتهازيون لمّا ينتهوا من تمجيد "السلام الاجتماعي" و إمكانية اجتناب
العواصف في ظلّ "الديمقراطية" حتّى تفجّر في آسيا ينبوع جديد من العواصف
العالمية الكبيرة. فبعد الثورة الروسية، قامت الثورة التركية، والإيرانية،
والصينية(6). و إننا لنعيش اليوم بالضبط في عصر هذه العواصف
و"تأثيرها بالاتجاه المعاكس" في اوروبا. و ايّا كان مصير الجمهورية
الصينية العظيمة، التي تستثير اليوم لعاب شتّى أضراب الضباع "المتمدّنة"،
فما من قوّة في العالم تستطيع أن تعيد الإقطاعية القديمة في آسيا، و لا ان تكنس من
على سطح الأرض النزعة الديمقراطية الباسلة لدى الجماهير الشعبية في البلدان
الآسيوية وشبه الآسيوية.
إنّ المماطلات
الطويلة لخوض نضال حاسم ضدّ الرأسمالية في أوروبا قد دفعت إلى احضان اليأس والفوضوية
بعض الناس الذين قليلا ما يهتمون بشروط تحضير النضال الجماهيري وبشروط تطويره. وإنّنا
لنرى الآن إلى أيّ حدّ من صغر النفس وقصر النظر يبلغ هذا الياس و هذه الفوضويّة.
إنّ ما ينبغي
أن نستمدّه من كون آسيا التي تعدّ ثمانمئة مليون إنسان قد انجلبت إلى غمرة النضال
في سبيل نفس المثل العليا الأوروبية، ليس اليأس، بل الشجاعة.
إنّ الثورات
الآسيويّة قد بيّنت لنا نفس ما تتّصف به الليبرالية من ميوعة وخساسة، نفس الدّور
الاستثنائي الذي يضطلع به استقلال الجماهير الديمقراطية، نفس التمايز الدقيق بين البروليتاريا
و بين البرجوازية من كلّ شاكلة وطراز. إنّ من يتحدّث، بعد تجربة أوروبا و آسيا، عن
سياسة لاطبقية و عن اشتراكية لاطبقية، إنّما لا يستحقّ غير وضعه في قفص و عرضه إلى
جانب كنغر اوسترالي.
و على أثر
آسيا، أخذت أوروبا تتحرّك و لمن على غير الطريقة الآسيويّة. لقد ولّت إلى الابد
المرحلة "السّلمية"، مرحلة 1872- 1904؛ فإنّ الغلاء و وطأة التروستات
يؤديان إلى تفاقم النضال الاقتصادي تفاقما لا سابق له، تفاقم هزّ العمّال الانجليز
بالذات، الذين افسدتهم الليبرالية أكثر من سائر العمّال. وأمام أنظارنا، تنضج أزمة
سياسية، حتّى في أكثر بلدان البرجوازية و اليونكر+ "عصمة"، أي في
المانيا. غنّ جنون التسلّح و السياسة الغمبريالية يجعلان من أوروبا الحالية
"سلاما اجتماعيا" يشبه بالاحرى برميلا من البارود. ناهيك بأنّ تفسّخ
جميع الأحزاب البرجوازية ونضوج البروليتاريا ما ينفكّان في اطّراد دائم.
منذ ظهور
الماركسيّة، جاءت لها كلّ من المراحل الكبيرة الثلاث من التاريخ العالمي بتأكيدات
جديدة وبانتصارات جديدة. و لكن المرحلة التاريخية المقبلة ستحمل للماركسيّة،
بوصفها مذهب البروليتاريا، انتصارا أروع أيضا.
ف. ا. لينين، البرافدا، العدد 50، 1 آذار/مارس 1913.
---------------------------
1- كتب لينين مقال
"مصائر مذهب كارل ماركس التاريخية" بمناسبة الذكرى الثلاثين لوفاة كارل
ماركس.
2- المقصود هنا ثورات
1848- 1849 أي الثورات البرجوازية الديمقراطية و الثورات البرجوازية التي جرت في
فرنسا وايطاليا والمانيا والنمسا والمجر.
3- كومونة باريس، هي حكومة ثورية للطبقة العاملة
انشاتها الثورة البروليتارية في باريس في عام 1871 وهي اوّل حكومة لدكتاتورية
البروليتاريا في التاريخ. دامت 72 يوما من 18 آذار (مارس) إلى 28 أيار (مايو).
4- الشعبية، تيار برجوازي صغير في
الحركة الثورية الروسية نشا في السنوات السبعين من القرن التاسع عشر. كان الشعبيون
يسعون إلى تصفية الأوتوقراطية وتسليم أراضي الملاكين العقاريين إلى الفلاحين. و
لكنّهم انكروا قانونية تطوّر العلاقات الرأسمالية في روسيا، واؤتباطا بهذا،
اعتبروا انّ القوّة الثورية الرئيسية ليست البروليتاريا بل الفلاحون. و راوا في
المشاعة الريفية جنين الاشتراكية. و قد ذهب الشعبيون إلى القرية، "إلى
الشعب" سعيا منهم لحث الفلاحين على النضال ضد الأوتوقراطية، غير انّهم لم
يلقوا التاييد هناك.
و في السنوات الثمانين و التسعين من القرن
التاسع عشر، سار الشعبيون في طريق المصالحة مع القيصرية، و عبّروا عن مصالح فئة
الكولاك، وشنّوا نضالا ضاريا ضدّ الماركسية.
5- الأممية الأولى،
(جمعية الشغيلة العالمية)، أوّل اتحاد ثوري عالمي جماهيري للبروليتاريا في
التاريخ؛ اسسه كارل ماركس في عام 1864. أرست الأممية الأولى أساس تنظيم العمال على
الصّعيد العالمي، و أساس النضال البروليتاري العالمي من اجل الاشتراكية. و بذلك أدّت
الأممية الأولى مهمتها من حيث جوهر الأمر. وقد توقّف نشاط الاممية عمليا في عام
1872، و جرى حلّها رسميّا في عام 1876.
6- كان للثورة الروسية
في 1905- 1907 تأثير هائل على تطوّر حركة التحرر الوطني في عدد من البلدان.
فإنّ الحركة
الثورية البرجوازية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في تركيا قد بلغت ذروتها
في عام 1908 بتأثير الثورة الروسية. و نتيجة للانتفاضة التي قام بها الجيش التركي
بقيادة رجال تركيا الفتاة، أعيد دستور عام 1876 و دعي البرلمان إلى الانعقاد.
و في إيران
(بلاد فارس)، اشتدت الحركة الثورية المعادية للإقطاعية و المعادية للإمبريالية بعد
ثورة 1905- 1907 في روسيا. و كانت البرجوازية التجارية والصناعية تترأّس هذه
الحركة. و في مجرى الثورة، انعقد اوّل برلمان في تاريخ إيران، ووضع هذا البرلمان
في عام 1906 دستورا. و لا يزال هذا الدستور ساري المفعول حتى الآن مع بعض
التعديلات. و نتيجة لتدخل الامبرياليين الأجانب، تمّ قمع الثورة في بلاد فارس، و
تقاسمت بريطانيا و روسيا بلاد فارس إلى منطقتي نفوذ وقضتا على مكاسب الثورة.
و في الصين،
ناضلت البرجوازية في سنوات 1905-1911 من أجل الدستور واستقلال الأقاليم الذاتي، ورفعت شعار النضال ضد الامبريالية. و في السنوات ذاتها، تنامت الحركة الثورية في
صفوف العمال والفلاحين أيضا. و في سنة 1911، أطيح بالسلالة المنشورية، و أعلنت
الصين جمهورية. وانتخب الديمقراطي الثوري صن يات صن رئيسا مؤقتا للجمهورية. و
لكنّه اضطرّ إلى التخلي عن هذا المنصب تحت ضغط القوى المعادية للثورة، و أصبح
المغامر يوان شي- كاي رئيسا للجمهورية وفرض في البلد نظام دكتاتورية عسكرية معادية
للثورة.
× اليونكر، طبقة من كبار ملاّكي الأراضي
النبلاء في بروسيا، الناشر.
---------
المصدر: لينين، مختارات، الجزء الأول، دار التقدم، موسكو، 1977،
ص ص. 15-20. عن:
لينين، المؤلفات، الطبعة الروسية الخامسة، المجلد 23، ص
ص. 1-4.
6/3/2012
موت ستالين
مــــوت ستــــاليــــن
قبل أشهر من موت ستالين تمّ تقويض سائر النّظام الأمني المكلّف بحمايته. فقد طرد الكساندر بروسكريبيشيف، سكرتيره الشخصي الذي كان قد خدمه منذ عام 1928، بنشاط ملحوظ، و وضع تحت الإقامة الجبريّة. و اعتقل الليوتنانت كولونيل نيقولاي فلاسيك رئيس جهاز الأمن الشخصي لستالين منذ 25 سنة، في 16 كانون أوّل عام 1952، ثمّ مات بعد بضعة أسابيع في السّجن. و مات بعد مدّة قصيرة (بذبحة قلبيّة) الجنرال بيتركوسيكين نائب رئيس حرس الكرملين ومسؤول أمن ستالين و في 17 شباط عام 1953 كتب ديريابين: "إنّ عمليّة تجريد ستالين من سائر جهاز أمنه الشّخصي كانت عمليّة مدروسة ومنفّذة بنحو جيّد جدّا".
كان بيريا هو الوحيد الذي يؤهّله وضعه لتدبير مثل هذه المؤامرة و في الأوّل من آذار، و في السّاعة 23 وجد الحارس ستالين ممدّدا على الأرض في غرفته، فاقدا للوعي. و عبر الهاتف استدعى أعضاء المكتب السياسي. أكّد خروشوف بأنّه وصل هو أيضا، ثمّ انصرف كلّ واحد إلى بيته. ما من أحد منهم قد استدعى طبيبا، اثنتا عشرة ساعة مضت على أزمته القلبيّة قبل ان يتلقّى ستالين الإسعافات الأولى. وفي 5 آذار توفّي ستالين. كتب لويس ويتيشيد فيما بعد:
"ترى بعض الروايات دلائل كثيرة على أنّ موت ستالين كان متعمّدا وبفعل فاعل. ويرى عبد الرّحمان افتورخانوف أسباب موته في التحضيرات المتّخذة من قبل ستالين للقيام بتطهيرات مماثلة لتطهيرات أعوام الثلاثينات".
بعد موت ستالين مباشرة جرت الدّعوة لعقد اجتماع للّجنة المركزيّة. و منذ الافتتاح اقترح بيريا أن (يكون) مالينكوف رئيسا لمجلس الوزراء، و طالب مالينكوف بأن يعيّن بيريا كنائب أوّل لرئيس الوزراء و وزيرا للشؤون الدّاخليّة، و لأمن الدّولة، وفي الأشهر التي أعقبت، هيمن بيريا على المسرح السياسي "لقد عشنا حينذاك فترة شديدة الخطورة" هذا ما كتبه خروشوف فيما بعد. ما أن استقرّ بيريا من جديد على رأس جهاز أمن الدّولة حتّى سارع إلى اعتقال بروسكريبيشيف سكرتير ستالين، ثمّ ريوتين الذي قاد التحقيق حول الموت المشبوه لجدانوف وتبع ذلك اعتقال اغناتييف رئيس ريويتن، وأدين الثلاثة بسبب دورهم في القضيّة ذاتها وفي 3 نيسان أطلق سراح الأطبّاء المتّهمين بقتلهم لجدانوف. وقد أكّد الصهيوني ويتلين بانّ بيريا أراد بإعادته الاعتبار للأطبّاء اليهود أن "يحطّ من قدر سياسة ستالين الخارجيّة التي كان ينتهجها حيال الغرب يصورة اساسيّة، و على الأخصّ الولايات المتّحدة، و بريطانيا العظمى". و في نيسان أيضا نظّم بيريا هجوما مضادّا في موطنه الأم جيورجيا. ووضع من جديد رجاله على رأس الحزب و الدّولة. و غدا ديكانوزوف "الذي أعدم مع بيريا" وزيرا لأمن الدّولة بدلا من روخادزه، و قد اعتقل فيما بعد "كعدوّ للشّعب".
--------------------------------
نقدّم للقارئ هذه الفقرات التي تتضمّن بعض الحقائق حول عمليّة موت الرّفيق جوزيف ستالين في الخامي من آذار/مارس 1953. هذه الفقرات مقتطفة من كتاب "ستالين: نظرة أخرى" للمؤلّف لودو مارتينز، ترجمة حسن عودة، وهو صادر عن دار الطليعة الجديدة، دمشق – سوريا، الطبعة الأولى، 1998، من الصّفحتين 335 و336.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)