قرأت في صحيفة (رين مين
ريباو) العدد الصادر في 30 حزيران 1958 بأنّ مقاطعة يوكيانغ1
قد تخلّصت – نهائيّا- من مرض البلهارسيا. فأزاحت في نفسي أفكارا كثيرة، واعتركت في قلبي اعتراكاً حرمني النّوم.
وفي نسيم الصباح النديّ،
اذ كانت الشمس تهمّ بالنهوض، فتزهر بأشعّتها نافذتي، أطلقت عينيّ نحو السماء، سماء
الجنوب البعيدة2، وأنشأت – في فرحتي – هذه الأبيات:
"مـــاو"
ماذا استطاعت، كلّ هذه السماوات، أن
تصنع ؟!
وأن تفعل كلّ هذه الأمواج، وكل تلك
الجبال ؟!
ما دام "هوا توه"3
قد عجز عن فعل أيّ شيء كبح به جماح الوحش ؟!
في آلاف الدساكر والقرى، كان كلّ امرئ يترامى
سطيحا
وتحت عشرات الألوف من السقوف المفرغة
كانت الشّياطين؛ تتراقص مرحا4
* *
تقطع الأرضُ في اليوم؛ ثمانين ألف "ليّ"
وتتلفّت السماء، نحو بقيّة من ألف نهر5
ويقف النجم "سهيل"6 يتساءل عمّا فعل إِله
الطاعون ؟!
ألا !! إن فرحة إِله الطاعون بآلام
الشعب ؛
قد جرفتها الأمواه، فطاحت الى غير رجعة7
* *
وفي نسيمات الربيع النديّة ؛ يورق الصفصاف آلافاً آلافا
ويصبح معه ستّ مئة مليون إنسان؛ حكما
َء مثل "او"، و"تشوين"8
وينقطع المطر الأحمر9،
وتتحوّل – في عزلته – إلى شفارٍ حادّة
تنحني بها الجبال المخضوضرة، أمام
الجسور والدعامات.
وتسّاقط المعاول الفضٌّة من السماء،
على رؤوس القمم
وتتهاوى الأنهار مرتجفة متخاذلة بين
أذرعه الحديد10 ...
فإلى أٌين المفرّ، يا إله الطّاعون11 ؟!
لقد أوقدت الشموع، والتهب المركب
الورقًّ
وتعالى اللهٌب نزّاعاً نحو السماء.
فإلى أٌين المفرُّ ؟!
----------------------------------------------------
1- كان مرض
البلهارسيا – قبل التحرير – منتشراً انتشاراً مخيفا في المقاطعات الواقعة الى الجنوب
من نهر "يانغ تسي"، كوباء منتشر يصيب السكان بوافد مستمرّ أليم. فألّفت
لجنة الحزب المركزيّة لجاناً خاصة لاتخاذ تدابير فعّالة ضدّ هذا الوباء. وقد فعلت
المعجزات حتى نجحت، فأعلنت مقاطعة "يو كيانغ" في حزيران 1958خلوّها منه خلوّا تاماً.
2- يشير بقوله
(سماء الجنوب البعيدة) الى المقاطعات الجنوبيّة وكان الوباء منتشراً فيها أيّما انتشار.
3- "هوا توه:"
من أشهر الاطباء على عهد الممالك الثلاث ( 220 – 280م)
4- نشرت صحيفة "رين
مين ريباو" في عددها الصادر في 30 حزيران 1958مقالاً عنوانه "أول علم
أحمر" قالت فيه:
في محيط قطره
خمسون ليّ (نحو 25 ميلا) حول "لان تيان بان" من مقاطعة "ليو كيانغ"
مات ثلاثة آلاف انسان بموجة البلهارسيا وحدها خلال الاعوام الأخيرة الأخيرة.
وأُهملت نحو عشرين قرية هجرها سكانها فأصبحت خراباً يباباً. وأكثر من أربعة عشر الف
كوخ هجرها ساكنوها بسبب ذلك.
5- شهد هذان البيتان
على صدق ما قاله الشاعر في تقديم قصيدته، من أنّ كثيراً من الأفكار قد تهافتت عليه
وهو ينظمها. ففي قوله: "ثمانون ألف ليّ" يرمز الى محيط الكرة الارضيّة الذي
يبلغ عند خط الاستواء 40 ألف كيلومترا (وكل كلومتر يعادل ليّيْن تقريباً).
وتقول صحيفة "رين
مين ريباو" في المقال المنشور بعدد 30 حزيران 1958 ما يلي:
قالت بعض الاوساط العلميّة والتكنيكيّة: قد دام
حكم "الكومينتانغ" عشرين سنة ولم يخرج في حربه ضدّ البلهارسيا بطائل. وكذلك
أخفق اليابانيّون في رده، وقد دام حكمهم نحو عشر سنوات، صرفوها بالبحث والتحرّي
العلمي، فكيف يستطيع الحزب الشيوعي أن ينجح في حلّ هذه المشكلة وهو خاوي الوفاض؟!"
فرفض شعبنا هذه الافكار التشاؤميّة بكلّ شدّة…
وادّعى سواهم: أن
القضاء على القوقعة المقرنة التي تحمل البلهارسيا يقتضينا جهاد عشرات السنين، وقد يجلّل
رؤوسنا المشيب قبل أن نتمّ ردم الحفر التي تعشّش فيها.
لكن كل هذه الأفكار
التشاؤميّة قد تلاشت أمام همّة الفلاحين قُطان هذه القرى، الذين عرفوا قيمة العمل
الألبي؛ فتعاونوا على ردم جميع الحفر في مدى بضعة شهور وأنشؤوا لماء الر ّي
نكانها؛ مسارب جديدة تجري بانتظام.
وقد ابتكرت على الصعيد الطبي طرق جديدة حازمة، حطّمت الروتين القائم تحطيماً ثوريّاً، فالمعالجة التي كان لا بدّ أن تستمرّ ثلاثة أشهر أنقصت – مبدئيّا – الى شهرٌن، ثم اختصرت الى عشرين يوماً، وأخيرا استوجزت بثلاثة أيّام وبيومين أحيانا.
وقد ابتكرت على الصعيد الطبي طرق جديدة حازمة، حطّمت الروتين القائم تحطيماً ثوريّاً، فالمعالجة التي كان لا بدّ أن تستمرّ ثلاثة أشهر أنقصت – مبدئيّا – الى شهرٌن، ثم اختصرت الى عشرين يوماً، وأخيرا استوجزت بثلاثة أيّام وبيومين أحيانا.
يعتقد الشاعر، أن
هذه السرعة الهائلة في العمل؛ لا تعادلها إلاّ سرعة الأرض التي تقطع في الٌيوم ثمانين ألف "ليّ" أو ما يعادل 40 ألف
كيلومتر.
وفي قصيدة "يي
كنغ" فقرةٌ، يحسن أن نتوقّف عندها قليلاً حين يقول:
عندما يلاحظ الحكيم سرعة العالم الهائلة
فما علٌه إلاّ ان
يحاول التغلّب عليها، بقدرة أكبر منها.
وكان حكماء الزمن
الماضً، ٌستوحون حركات الطبٌعة وٌتخذونها قدو ًة لٌصبحوا أكثر قو ًة وقدرة.
6- يطير الشاعر في
أجواز السماء فيقابل النجم سهيلاً. وسهيل ٌعشّ على شاطئ النهر السماوي (نهر المجرّة).
ولما كان هذا النجم كثير الاهتمام بحياة الشعب على الارض، فإنه يتقمّص صورة يتق
ّرب بها من الشاعر مسائلا عمّا فعل اله الطاعون من مساوئ.
7- آلام الشعب هنا، متأتّية من مرض البلهارسيا.
وأما الفرحة فهي سرور اله الطاعون حينما يسيطر. وقد جرؾ كل ذلك مع تيّار الماء
المتدفّق، ولن يعود أدراجه أبداً.
8- "ياو"،
و "شوين"؛ اسمان لحكيمين مشهورين من أباطرة الصين القديمة. ويرمز الشاعر
باسميهما الى أن ست مئة ملٌيون صينيّ سيصبحون في مستوى هذين الحكيمين بالتعلّم والثقافة.
9- يقصد بالمطر
الاحمر هنا: أزهار الشرّ. وهي صورة مقتبسة من قصيدة للشاعر "لي هو" (816 – 790) قال في أحد أبياتها:
"تسّـاقط ازهار الشرّ مطراً أحمر"
ويرمز به الى
المد الفسيح المتقدّم.
10- يشير بأذرعه
الحديد؛ الى مشروعات الر ّي الجديدة، والمدّ الثوري المتقدّم، وإبادة البلهارسيا
بهذه الحماسة.
تذكر صحيفة
"رين مين ريباو" (عدد 30حزيران) أن سكان مقاطعة "كوتشينغ" (هو بي) عزموا على تفتيت
الجبل لردم مجاري الماء، ونقل الصخور الضخمة لتقوية شطآن البحيرات، كل ذلك من أجل
ابادة القوقعة المقرنة حاملة البلهارسيا.
11- بعد تصفٌة
أمر القواقع: في جميع البلاد، لم يبق لإله الطاعون مكان على وجه الأرض يسيطر فيه
أو يعيش. ولهذا أحرق مركب من ورق وأوقدت الشموع لطرد إِله الآلام والأحزان. أكّد
ذلك عنوان إحدى القصيدتين (إحراق السماء) وهو يعني بذلك: إضاءة السماء بنار المركب
المحترق وبشموعه. وهو تعبير صينيّ معروف، ورمز لطيف مستحسن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق